افتتاح المعرض المتحفي الدائم «للوثائق والمحفوظات».. من نقش الصخر إلى طرقات المطابع

873354

يسرد تاريخ التوثيق .. ويعرض تاريخ عمان الوثائقي –
تاريـخ تحكــيه آلاف الوثائــــق .. وتكــتب تفاصــيله الخــالــدة –
كتب ـ عاصم الشيدي –
يكتب الشيخ محمد بن سالم الرقيشي في عام 1924 رسالة قصيرة إلى الشيخ سعيد بن خلفان بن سالم الكهيلي بعد أن استفتاه في طريقة وإجراءات دفن مجدور «مصاب بمرض الجردي» يقول فيها الشيخ الرقيشي «يخرج ثلاثة رجال لدفنه يلبسون ثيابا رثة ويتركونها ويغتسلون» سيكون لهذه الرسالة بعد 92 سنة أهمية كبيرة وستجد مكانا لها في معرض متحفي افتتحته أمس هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية.. وسيكون بإمكان هذه الرسالة القصيرة تقديم رؤية واضحة لطريقة تعامل الناس مع الأحداث التي ألمت بهم في تلك المرحلة.. سواء المرض أو آلية التعامل معه في الحياة أو بعد الموت.
ودشن صاحب السمو السيد هيثم بن طارق آل سعيد وزير التراث والثقافة رئيس مجلس إدارة هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية أمس المعرض الوثائقي الدائم للمحفوظات والوثائق الوطنية والمقام خلف مبنى الهيئة بمرتفعات المطار.
وأنجزت الهيئة بهذا المعرض/‏‏‏ المتحف أحد طموحاتها في أن يكون للوثيقة العمانية معرض دائم مفتوح أمام الزوار وفق أحدث التقنيات المتحفية.
وقال صاحب السمو السيد هيثم بن طارق: إن هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية خطت خطوات سليمة منذ إنشائها وبرامجها تشكر عليها ونحن نرى اليوم هذا المعرض الدائم وهو مرجع مهم  للباحثين وكذلك مزار للسياح القاصدين معرفة تاريخ السلطنة. وأضاف سموه: إن فريق العمل في الهيئة يعمل جاهدًا من أجل إبراز تاريخ السلطة مؤكدًا سموه أن مبنى متكاملاً سيكون للهيئة في المستقبل.
ويحكي المعرض تاريخ عُمان الطويل من خلال الوثائق والمخطوطات، كما يضع خطًا تاريخيًا لمسيرة التوثيق ليس في السلطنة فقط بل في العالم.
ولا تقتصر الوثائق المعروضة في المعرض على الوثائق الرسمية، بل يجد القارئ أعدادًا كبيرةً من الوثائق الخاصة التي تسند الوثيقة الرسمية وتكتب خطًا آخر للتاريخ إلى جوار الخط الرسمي.
ويسعى المعرض المتحفي إلى إبراز تاريخ عمان عبر الحقب الزمانية.. ولا يكتفي المعرض بإتاحة تاريخ عُمان المكتوب على الورق بل يعرض لنماذج لما نُحت منه على أحجار سومر وآكاد، ورُسم على الخرائط الدولية، وصُك على العملات والطوابع، وُوثق في المخطوطات، وسُطر في الصحف والمجلات العالمية، وسُرد في الصور والأفلام.
وتعود أقدم وثيقة عمانية إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وهي حصاة بن صلت في ولاية الحمراء.. ونقشت على هذه الحصاة الكثير من الرسومات التي توثق لتلك المرحلة التاريخية. وتوضع هذه الحصاة وما عليها من رسومات على خارطة التوثيق في العالم التي تعود أقدمها إلى 40 ألف سنة قبل الميلاد، وهي عبارة عن رسم على الصخر وجد في أستراليا يرجح أنها لطير «الجينيورنس».
ويمكن للزائر أن يجد في المعرض/‏‏‏ المتحف تاريخا يبدأ من استخدام الإنسان الكتابة عبر الرسومات والصور والدلالات في الصخور والفترات الزمنية لظهورها في عُمان ثم يتناول تاريخًا متكاملاً للتوثيق والأرشفة بما في ذلك استخدام الخط المسند إلى ظهور استخدام الخط العربي ثم يتحدث المعرض عن عُمان في العصور والحقب الزمنية المختلفة إلى وقتنا الحاضر وعرض الأدوات المستخدمة في الكتابة والأحبار. كما يجد الزائر منضدة إلكترونية للبحث عبر شاشات إلكترونية للتعرف على عشرات الآلاف من الوثائق والمحفوظات العمانية بطرق بحث سهلة تستلهم التكنولوجيا الحديثة.
ويضم المعرض قاعة مخصصة عن عهد جلالة السلطان والنهضة العمانية المباركة عبر فيلم متكامل باللغتين العربية والإنجليزية، وخصصت قاعة أخرى عن الهيئة ومجالات عملها.
كما يضم المعرض أعدادًا كبيرةً من الخرائط والعملات والصور والطوابع. وقال حمد بن محمد الضوياني رئيس الهيئة: إن «المعرض يندرج في إطار مشاريع الهيئة التي تشهد التمكين لأعمالها وتنفيذًا لسياساتها وتحقيقاً لأهدافها حتى تتبوأ مكانة مرموقة على مستوى المؤسسات الوثائقية والأرشيفية ولتكون قبلة ومرجعًا للباحثين والدارسين لما سيتوفر فيها من وثائق ومخطوطات ومواد علمية تعنى بعمان والمنطقة المحيطة بها».
ويضم المعرض عدة قاعات تبدأ بقاعة للاستقبال تتكون من صندوقين زجاجيين يعرض الأول الأدوات المستخدمة في الكتابة قديمًا والآخر لعرض حجر أثري يوضح أهمية التوثيق للإنسان العماني القديم. وإلى عمق المعرض يجد الزائر قاعة تاريخ التوثيق، الذي يُعرض ابتداء من النحت على الصخور في الحضارات القديمة، مرورًا بتاريخ الأرشفة وتأسيس المؤسسات الأرشيفية في العصر الحديث.. وتكشف هذه القاعة حجم اهتمام الأمم والشعوب بتاريخها وتوثيقه وحفظه.
ويجد الزائر قاعة عمان عبر التاريخ: تعرض في هذه القاعة رواية مشوقة سطرها الإنسان العماني منذ العصور الحجرية القديمة مرورًا بإنجازاته التي حققها للحفاظ على أرضه الطيبة من الأطماع الخارجية عبر الفترات التاريخية المختلفة، وصولاً إلى العهد الحديث. كما تستعرض القاعة أيضًا في الخط الزمني نفسه الحضارة العمانية في شرق إفريقيا.
ويضم المعرض أيضا ركن الخرائط والرسومات والقصاصات الصحفية والصور: ويعرض في القاعة عدد من الخرائط التي توضح امتداد الممالك العمانية عبر التاريخ. كما تعرض بعض الرسومات والقصاصات الصحفية التي تحدثت عن عمان وزنجبار، وبعض الصور من معالم الحياة في عمان وزنجبار، وكذلك ركن العملات والطوابع البريدية، ويعرض في هذا الركن بعض من العملات والطوابع البريدية التي وثقت بعض الأحداث والمعالم البارزة في تاريخ السلطنة، كما يعرض تطور العملة العمانية.
وخصص أيضا ركن للعلاقات الدولية، ويعرض في هذا الركن وثائق تسرد العلاقات الدبلوماسية والودية بين عمان وزنجبار وبقية دول العالم حيث تبادلَ الأئمة والسلاطين العمانيون مع غيرهم من حكام ورؤساء الدول الهدايا والزيارات الرسمية وقلدوا وتقلدوا النياشين، واستقبلوا الرؤساء والسفراء، وعقدوا الاتفاقيات والمعاهدات، وغيرها الكثير، كما توجد في المعرض منضدة إلكترونية يعرض عبرها عدد من المواد الوثائقية منها وثائق وصور ونماذج من المخطوطات العمانية في مجالات مختلفة مقسمة ومصنفة حسب نظام تصنيف ارشيفي، كما يحتوي المعرض على التمائم والتي تعرض على أعمدة المعرض التي كتبها الإنسان العماني وألقاها في مناسبات ومحافل مختلفة، كما تتوزع في المعرض الصناديق الزجاجية، حيث يعرض في هذه الصناديق وثائق أصول، لتعريف الزائر بالوثيقة العمانية على طبيعتها وجمالية خطوطها ونقوشها والتمعن في شكل الخط ونوعية الورق والحبر المستخدم. وتتحول الوثائق في المعرض إلى تاريخ يروي نفسه، تاريخ سياسي وتاريخ اجتماعي واقتصادي ومعرفي.
ويجد المتجول في المعرض المتحفي المئات من الوثائق التي يقرأ فيها مراسلات بين أئمة وسلاطين عمان والشيوخ في الداخل وحكام الدول المجاورة والبعيدة يناقشون فيها قضايا سياسية واجتماعية.. وتتحول الرسائل أحيانًا من رسائل تناقش قضايا سياسية إلى رسائل إنسانية نقرأ فيها اليوم أن الجوانب الإنسانية كانت حاضرة في المراسلات ولم تكن لغتها جافة. ويستطيع الباحث أيضا تتبع تاريخ تحول الرسائل من الخط اليدوي إلى الكتابة بالآلة الكاتبة في المخاطبات الرسمية.. فهناك رسالة تعود إلى 25 يناير من عام 1938 مكتوبة بالآلة الكاتبة وهي من دائرة الجوازات العام إلى رئيس دائرة جوازات السفر بمسقط مكتوبة بالآلة الكاتبة رغم أن هناك مخاطبات رسمية بعد هذا التاريخ كانت تكتب بخط اليد.
يجد القارئ أيضا رسالة بخط اليد من الشيخ صقر بن سلطان القاسمي موجهة إلى السلطان سعيد بن تيمور يخبره فيها بوفاة الشيخ محمد بن سلطان.
وتؤرخ وثيقة رسمية وجدت في متحف البريد في دلهي افتتاح أول مكتب للبريد في عمان في الأول من شهر مايو عام 1864 ثم تتحرك طوابع البريد في المعرض لتحكي تاريخا آخر، فكل طابع بريدي وراءه حكاية تتحرك، وتاريخ يسرد نفسه. وكذلك الأمر في جناح النقود.
ويقرأ الزائر في شهادة تطعيم ضد مرض الجدري صادرة من مركز الحجر الصحي في مسقط بدت لحظة إصدارها في عام 1904 شهادة عادية جدًا يمكن لحاملها رميها بعد ثلاث سنوات وهي المدة الزمنية التي يستمر فيها مفعول التطعيم، لكن بقاءها استطاع أن يحكي تاريخًا كبيرًا يمكن لأي باحث استقراؤه.
ويجد الزائر في الخط التاريخي للتوثيق في العالم صورة عن أقدم معاهدة هدنة موثقة في العالم والتي تعود إلى عام 1258 قبل الميلاد مكتوبة بكتابة مسمارية بين هتوسيلي الثالث إمبراطور الهتيت وفرعون مصر رمسيس الثاني.
كما يعرض المعرض صورة عن أقدم وثيقة بيع أرض في التاريخ وتعود إلى عام 2600 قبل الميلاد، وهي منقوشة على قطعة من صخر «الديورايت» الذي كانت تصدره عُمان إلى العراق القديم.