أوروبا يمكنها القيام بدور فاعل للحل السلمي

عبدالله العليان –

لا بد من الحل الذي يحمي ما تبقى من سوريا على الأقل، وهذا الأمر أصبح ضروريا، وإنسانيا في المقام الأول، قبل أن يكون حلاً سياسيًا، ولا شك أن أوروبا تستطيع أن تنجح في هذا الأمر؛ لأسباب كثيرة، بعد معركة حلب التي سقطت بيد السلطات السورية بعد معارك كبيرة، نالت من الأبرياء والآمنين، قبل أن تنال من المتطرفين والتكفيريين، من خلال القصف الروسي، ومن القوات الحكومية السورية وأنصارها في الأسابيع الماضية، فإن الأزمة السورية ستكون الآن في مربع الصراع الداخلي إن لم تتم وحتى بعد سقوط هذه المدينة الهامة وخسارة المعارضة في هذه المعركة، وأصبحت سوريا الآن قضية دولية بامتياز ولم تعد قضية عربية إقليمية فقط، وهذا ما برز من خلال التحركات الأوروبية مع روسيا الاتحادية، والمفاوضات التي أجرتها الأخيرة مع المعارضة، لخروج المقاتلين من بعض أحياء شرق مدينة حلب، بعد الاتصالات التي أجرتها بعض العواصم الغربية وتركيا، لمنع زيادة الضحايا بين المدنيين بعد القصف الروسي الذي كما تقول التقارير المحايدة أنه استهدف المدنيين، أكثر مما نال من المقاتلين المعارضين للنظام في سوريا، وأصبحت سوريا ورقة أوروبية خالصة، وروسيا هي الآن التي بيدها الحلول من جانب السلطة السورية. ولا شك أن أوروبا أصبحت في موقف حرج، بعد ابتعادها عن التحرك لحل الأزمة السورية في السنوات الماضية، وإن كانت في البداية، أقرب إلى وجهة نظر المعارضة السورية المعتدلة خلال السنوات الماضية، لكن بعد بروز التيارات المتطرفة في الأزمة السورية وبروز داعش وأخواتها في الصراع السوري، بدأت أوروبا تتراجع وتبتعد نسبيًا عن الأزمة، وتطرح أهمية القضاء على الجماعات المتطرفة، مع أنها أقل المجموعات من حيث العدد والعدة، لكن بعد التفجيرات التي حدثت في بعض الدول الأوروبية، لاسيما في فرنسا وبلجيكا، فإن الدول الغربية، أصبحت لها نظرة أخرى تجاه المعارضة السورية المتطرفة، وبعد معركة حلب التي أبرزت مأساة الشعب السوري في هذه المدينة، والخوف من استمرار الصراع طويلاً، ولجوء الكثير من السوريين إلى أوروبا، فإن هذا الأمر جعل مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني، تطرح وثيقة للحل، كما نشرتها بعض الصحف قبل عدة أسابيع، سميت الوثيقة بـ(سورية المستقبل) لحل الأزمة السورية، وتنص الوثيقة كما نشرت، أنها تقوم «على أهداف يجب العمل على تحقيقها، أهمها أن يكون الانتقال والمفاوضات بقيادة سورية في إطار قرار مجلس الأمن 2254، وصولاً إلى نتائج من بينها أن تكون سوريا بلدًا موحّدًا ويتمتع بسلامة الأراضي لكافة المواطنين السوريين، وتشكيل حكومة شرعية وخاضعة للمساءلة ونظام سياسي تعددي، مع احترام سيادة القانون والحقوق الفردية بناء على المواطنة المتساوية، في إطار بلد متعدّد ثقافيًا تشعر فيه كافة المجموعات العرقية والدينية أن هوياتها محمية، وأن لديها فرصًا متساويةً في الوصول للحكم، إضافة إلى دولة فعالة ذات مؤسسات عاملة، تركّز على أمن وخدمة المواطن، وذات جيش وطني واحد، وشرطة وقوات أمنية خاضعة للمساءلة ونظام سياسي مستقر، واقتصاد قوي، يوفّر التعليم والصحة المناسبين لشعبه إضافة لكونه جاذب للاستثمار الأجنبي». ولا شك أن تحرك أوروبا الآن قد يساهم في تحقيق سلام، يرضي الجميع، ويحقق لسوريا الوحدة والاستقرار، ضمن دولة موحدة، كما أن سقوط مدينة حلب، المدينة الثانية، من حيث حجم السكان، بعد العاصمة دمشق، لن يحقق الحل بفرض الشروط من جانب السلطات السورية؛ لأن سوريا بعد الحرب تواجه انشقاقًا كبيرًا في المكونات السكانية لها للأسف، بعدما كانت سوريا مثلاً يحتذي في التعدد والتنوع منذ قرون . ولهذا فإن الحل الآن يكمن في قبول التعددية والديمقراطية، وتحقيق الحريات العامة، وضمن دستور يوافق عليه الجميع، وضمن اللامركزية، وهذا فيما يبدو قد يكون من المهام المقبلة للاتحاد الأوروبي، الذي لابد له من التحرك من أجل عدم تفاقم الأزمة السورية، فالبعض يرى أن أوروبا تقاعست كثيراً عن الإسهام الجدي في حل الأزمة السورية، وربما تركت الأمر للولايات المتحدة، في السنوات الماضية، لكنها أدركت أخيرًا أن الولايات المتحدة، لم تقم بالدور الموازي، كما فعلته موسكو كداعم للحكم السوري، مع أن التصريحات الأمريكية في السنوات الثلاث الأولى، كانت قوية ورافضة لاستمرار الرئيس السوري في الحكم، وكانت التصريحات الأمريكية تقول: إنه لا مكان للرئيس بشار الأسد في أي تسوية مقبلة في سوريا! ولكن الأمر لم يعد كذلك، والبعض يرجعه إلى أن إسرائيل تريد أن تبقى سوريا في هكذا مستوى من الصراع، لا غالب ولا مغلوب، وهذا تعتبره لمصلحتها، كدولة محتلة لأرض عربية سورية. ولا شك أن التحرك الأخير في مجلس الأمن للدول الأوروبية ونجاح القرار الأوروبي بإرسال مراقبين إلى حلب، حيث نص مشروع القرار الأممي على «ضرورة توقف جميع أطراف النزاع عن الهجمات على المدينة بعد 24 ساعة من صدور القرار ولمدة سبعة أيام بهدف إدخال المساعدات الإنسانية، كما يعرب مجلس الأمن عن اعتزامه النظر بتمديد هذه المهلة لسبعة أيام أخرى وتكرار ذلك.
ويطلب المشروع من جميع الأطراف السماح بوصول المساعدات الإنسانية فورًا وبطريقةٍ آمنةٍ إلى جميع مناطق حلب من قبل الأمم المتحدة وشركائها التنفيذيين، وتسهيل جهودهم في إجلاء الجرحى والمرضى وكبار السن والأطفال والنساء من المناطق المحاصرة». فلا شك أن هذا القرار الذي تمت الموافقة عليه بالإجماع هو خطوة إيجابية، للحل مستقبلاً، على أن تتم فيه التسوية المتوازنة بين كل الأطراف، ووقف من تبقى من تدمير وتنكيل وقتل في هذا البلد الذي أصبح منهارًا في أغلب مقدراته الحياتية، عدا العاصمة دمشق التي خلت من القتال، عدا ريفها الذي لحقه الصراع في بعض الفترات، وإن كان أقل حدة من مدن أخرى خارج العاصمة، ولذلك لا بد من الحل الذي يحمي ما تبقى من سوريا على الأقل، وهذا الأمر أصبح ضروريا، وإنسانيا في المقام الأول، قبل أن يكون حلاً سياسيا، ولا شك أن أوروبا تستطيع أن تنجح في هذا الأمر،لأسباب كثيرة، أشرنا إلى بعضها في السطور الأولى، لكن أوروبا لها علاقات تاريخية كبيرة بالشرق الأوسط عموماً، وبمنطقة الشام على وجه الخصوص، ومن هذه المنطلقات أصبح دورها مهما، وهذا ما اتضح في الوثيقة التي أعدها الاتحاد الأوروبي في الشهر المنصرم، لحل الأزمة السورية تحت عنوان (سوريا المستقبل)، فهل ينجح الاتحاد الأوروبي في حل الأزمة السورية، وإحلال سلام دائم بين النظام والمعارضة؟ الأيام المقبلة ستكشف ما تم من تحركات في هذا الشأن.