تصريحات ترامب.. تربك حسابات المستقبل

علاء الدين يوسف –

من الصعب الحديث الآن عن استراتيجية متكاملة أو منهج محدد للرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب في التعامل مع الأزمة السورية حال دخوله البيت الأبيض بعد أدائه اليمين الدستورية الشهر المقبل، كل ما نرتكز عليه حاليًا في تحديد مواقفه من هذه القضية مجموعة تصريحات أدلى بها خلال حملته الانتخابية وغداة فوزه بانتخابات الرئاسة وتظل تلك التصريحات التي أدلى بها ترامب في أحاديث صحفية وخلال مناظراته مع المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون وخطاباته عبر الولايات الأمريكية في جولاته الانتخابية موضع اهتمام كبير؛ لأنها تحمل تغيرات استراتيجية شاملة في التعامل الأمريكي مع الأزمة السورية وتمثل كذلك انقلابًا حادًا على سياسات الإدارة الديمقراطية بزعامة باراك أوباما وهي المسؤولة بكل تأكيد عن الأوضاع المتدهورة التي وصلت إليها الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط وخاصة على صعيد الأزمة السورية.
وأحدث وأهم ما جاء على لسان ترامب في هذا الصدد أن أولوياته في التعامل مع الأزمة السورية ومشاكل المنطقة بشكل عام تنطلق من حتمية محاربة الإرهاب والقضاء عليه وليس إسقاط الأنظمة، كما أبدى عزمه على إنهاء الدعم الأمريكي للمعارضة السورية المسلحة رغم طلبها المساعدة منه ، مؤكدًا في الوقت ذاته أن تحالفا مع روسيا وسوريا لهزيمة تنظيم «داعش» هو السياسة التي يفضلها للتعامل مع الأزمة السورية، وأنه «لا يحب الأسد مطلقًا، لكن تعزيز نظامه هو الطريق الأفضل للقضاء على التطرف الذي ازدهر في فوضى الحرب الأهلية والذي يهدد أمريكا»، ومن وجهة نظره فإن الأسد أقوى بكثير الآن مما كان عليه قبل نحو ثلاث سنوات وأن حمله على ترك السلطة أقل أهمية من هزيمة «داعش»، محذرًا من أن ممثلي المعارضة قد يكونون موالين لـ«داعش» وقد يكون الأسد سيئًا، لكن هؤلاء الأشخاص قد يكونون أسوأ منه»!!
ومن الأساس أثار فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية تساؤلات عديدة حول مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وخاصة تجاه سوريا في الوضع الراهن حيث جاء فوزه في الوقت الذي تمر فيه سوريا بمرحلة حاسمة بعد فشل الاتفاقات الروسية – الأمريكية وكافة الاتصالات الدولية في وقف القتال بحلب والتنسيق في محاربة الإرهاب، وقدم ترامب موقفه من سوريا بصورة أكثر تفصيلا في أكثر من مناسبة إذ شدد على ضرورة تركيز اهتمام واشنطن على معالجة القضايا الداخلية بدلاً من «بناء دول» في الخارج.
وأوضح أنه على الرغم من تحفظاته بشأن خيار التدخل العسكري، إلا أن هناك حالات معينة عندما يرى جرائم مروعة -بما في ذلك ما يفعله داعش- فإنه مستعد لاستخدام القوة العسكرية، لكنه شكك في جدوى الجزء الأكبر من التدخلات الأمريكية عبر العالم على مدى السنوات الأخيرة، بما في ذلك ما وصفه بأنه سياسة أوباما غير المدروسة في سوريا، وأعاد ترامب في هذا الخصوص إلى الأذهان التدخل الأمريكي العسكري لإسقاط صدام حسين، معتبرًا أن العراق اليوم «بات كارثة» متوقعا زيادة سيطرة «داعش»، وفي تحول آخر أعرب ترامب عن قناعته بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سيضرب داعش في سوريا لأنه لا يريد التنظيم أن يتوجه إلى روسيا، معتبرًا خطط الديمقراطيين حول سوريا طريقًا إلى حرب عالمية ثالثة بسبب احتمال نشوب صراع عسكري مع روسيا، موضحا ذلك بقوله: «أنت لم تعد تقاتل سوريا.. أنت تقاتل سوريا وروسيا وإيران..»
كان من الطبيعي أن تثير هذه التوجهات، التي لم تأخذ شكل الاستراتيجية المتكاملة بعد، حفيظة حلفاء واشنطن الغربيين والإقليميين وعلى رأسهم بريطانيا التي طالما وصفت بأنها «صوت أمريكا»، بل والشريك الأهم والأخطر في كل سياسات واشنطن بالمنطقة، وفي ضوء هذه الحقائق ليس مستغربًا أن مسؤولين بريطانيين أقروا بأنه وفي ظل انشقاق كبير في السياسة الخارجية بين لندن وواشنطن ستواجه بريطانيا مناقشات «صعبة جدًا» مع ترامب خلال الأشهر المقبلة حول نهجه تجاه موسكو وبالتالي سوريا، ولا شك في أن الموقف الذي عبر عنه ترامب تجاه سوريا يتعارض بشدة مع رؤية رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي اتهمت نظام الأسد بارتكاب «عنف وحشي» وأن الأسد لا مكان له في سوريا المستقبل من وجهة نظر بريطانيا، وسط توقعات بأن يقوم وزير الخارجية البريطانية بوريس جونسون بزيارة لواشنطن خلال الفترة المقبلة للبحث مع كبار الشخصيات بإدارة ترامب القضية السورية ومحاولة إقناع هذه الإدارة بضرورة إبعاد الأسد، مشيرة إلى أن لندن ستقضي الشهرين المقبلين في هذه المحاولة؛ لأنها القضية ذات الأولوية الأولى لبريطانيا.
ورغم أن مسؤولي الخارجية البريطانية يعتقدون أن هذه المهمة صعبة للغاية، فإنهم أكدوا أن بلادهم لن تغير موقفها، بينما أعلنت لندن في تطور يكرس توجهاتها عن عزمها إرسال قوات بريطانية إلى سوريا لتجهيز المعارضة المسلحة في مرحلة ما بعد سقوط حلب.
ولا يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للمعارضة السورية التي باتت في مأزق حقيقي بعد سقوط حلب وعلى خلفية مواقف ترامب، وهو ما قد يدفعها إلى بعض التغييرات التكتيكية في توجهاتها المرحلية، فيرى العميد أسعد الزعبي رئيس وفد المعارضة السورية لمفاوضات جنيف أن إدارة ترامب ستكون أفضل من إدارة الرئيس المنتهية ولايته أوباما بالتعامل مع الأزمة السورية! معبرًا عن اعتقاده بأن بعض أقطاب المعارضة يجرون اتصالات الآن مع الإدارة الجديدة، وسط مؤشرات بأنها سوف تدعم المعارضة السورية ضد نظام الأسد، ولفت الزعبي إلى أن اتفاق إخراج المسلحين من حلب تم فرضه على المعارضة فرضا لسبب واقع الحصار الروسي – الإيراني، موضحًا أن المعارضة المسلحة إذا كانت تمتلك أسلحة لما استطاع حزب الله والإيرانيون فرض طوق من الحصار على حلب الشرقية، وأن المسلحين في النهاية أنفذوا إرادتهم وذلك بخروجهم تجاه ريف إدلب عبر معبر الراموسة، وليس كما كان يشترط حزب الله وإيران، وكشف الزعبي أنه تم التوافق مع النظام عبر الوسطاء على حل أزمة كفريا والفوعة وذلك بإخراج المسلحين منها، موضحًا أن الثوار مصممون على مواصلة نضالهم ضد نظام الحكومة، بالإشارة إلى أن المعارضة تواجه أزمة كبيرة في التسلح وأن الأسلحة التي تتلقاها هي من دول عربية بينما الدول الغربية ما زالت مكتفية بالبيانات.
وعلى ضوء هذه التطورات فإن قرار الولايات المتحدة التخلي عن المعارضة السورية من شأنه في الغالب أن يزعج حلفاءها الأوروبيين وأن يثير حفيظة الشركاء الإقليميين الذين كانوا جميعًا أنصارًا للمعارضة السورية المسلحة منذ أيامها الأولى، وهذا لا يعني أن هذه الدول كانت فاعلة على الدوام، إذ لا يخفى أن الدعم غير المنظم والفوضوي الذي قدمته هذه الدول للجماعات المسلحة في سوريا في العامين 2011 و2012 كان له دور كبير في فشل الجيش السوري الحر بالاندماج في منظمة موحدة، ومن المنتظر لغياب الدور الذي قامت به الولايات المتحدة أن يؤدي إلى مخاطر تتمثل في وجود حالة من الفوضى والاقتتال الداخلي الذي سيطر على المراحل الأولى من الأزمة السورية، لكنه سيكون هذه المرة في سياق مختلف لأن المتطرفين مستعدون للاستفادة من الوضع بأقصى سرعة. علاوة على ذلك -ووفقا لرؤية محللين استراتيجيين- فإن إعادة تسمية تنظيم القاعدة «جبهة النصرة» بجبهة «فتح الشام» والتي حظيت بتغطية إعلامية جعلت من هذه المجموعة متلقيًا محتملاً للدعم من الدول الإقليمية الغاضبة، ونظرًا لادعاء جبهة «فتح الشام» ظاهريًا بإنهاء علاقاتها الخارجية مع تنظيم القاعدة، فلن يكون من المستغرب أن نرى أطرافًا إقليميةً توجه الجزء الأكبر من دعمهما لجبهة «فتح الشام» والمجموعات المماثلة في الوقت الذي توقف فيه الولايات المتحدة دعمها للمعارضة، وعلى الرغم من أن الدول الإقليمية لم تقترح صراحة إلقاءها الحمل كاملا على عانق جبهة «فتح الشام»، إلا أن تنامي القدرات العسكرية لهذه الجماعة وتزايد مستويات معداتها القتالية خاصة منذ إعادة تسميتها تشير مسبقا إلى وجود قدر من الدعم الدولي المباشر أو غير المباشر لها، كما قد تشعر دول المنطقة أيضا بوجود بعض المبررات لخرقها للمحظورات التي لطالما وضعتها الولايات المتحدة في إرسالها أسلحة مضادة للطائرات من قبيل منظومة الدفاع.. هذه سيناريوهات محتملة نحو تصعيد الموقف على الساحة السورية في ضوء التوجهات الصادرة من الرئيس المنتخب ترامب والتي ستؤدي بكل تأكيد في حالة تطبيقها ميدانيا إلى إرباك المشهد وإعادة حسابات معقدة لمختلف الأطراف.