كيف يرى كيسنجر العالم؟

إميل أمين  –
كاتب مصري  –
emileamen@gmail.com –

حتى الساعة يبقى هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي الأمريكي ووزير خارجيتها الأسبق، أحد أهم، إن لم يكن بالفعل أهم عقلية سياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولهذا فقد جرى العرف أن يهرع الجميع إليه، لا سيما في الأوقات الحساسة، والمنحنيات التي يشتم فيها رائحة خطورة ما، أو تعديلات وتبديلات جوهرية يمكن أن تؤثر على مسار الأحداث الدولية.
يمكن القول حكما إن الولايات المتحدة الأمريكية تعيش تغيرا مفصليا، هذا التغير ستكون له تبعات وتداعيات لا على الداخل الأمريكي فحسب، بل على عموم الكرة الأرضية، فالذي جرى في انتخابات نوفمبر المنصرم في حقيقة الأمر مفاجأة بكل المعايير والمقاييس، فقد رتب الأمريكيون أوراقهم على فوز هيلاري كلينتون بمنصب الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية، وعلى ولاية ثالثة للديمقراطيين، غير أنهم وجدوا أنفسهم أمام نتيجة مخالفة لكافة التوقعات، وبات مرشح الجمهوريين دونالد ترامب، الرجل الذي لم يشغل من قبل منصب «عمدة» لأي مدينة أمريكية، رئيسا للدولة – الإمبراطورية مالئة الدنيا وشاغلة الناس.
في هذا الإطار كانت مجلة الاتلانتيك الأمريكية ذائعة الصيت، تجري عبر أحد أبرع وأنشط صحفيها «جيفري جولدبيرج» حوارًا مطولًا مع كيسنجر، تناول أهم وأخطر المسائل الحساسة والشائكة في العالم، المترتبة عن الفوز غير المتوقع لترامب، وماذا يعني ذلك لكل الشركاء الدوليين للولايات المتحدة، في الداخل وفي الخارج.
حديث كيسنجر يحمل درجة ما من المخاوف قد تتزايد أو العكس بحسب توجهات ترامب، فهو يرى أن وصول ترامب إلى سدة البيت الأبيض حتما سوف يتسبب في تسريع تراجع مستوى الولايات المتحدة، وحدوث صدمة، ستساهم في إيجاد فرصة لحدوث تراجع واضطراب خطيرين.. هل من ملف بعينه يبرع فيه كيسنجر ويعطي رأيا واضحا عنه؟
المعروف أن كيسنجر هو الأمريكي الأول الذي استطاع اختراق جدار الصين السياسي الكبير وفتح فيه منافذ للسياسات الأمريكية، كان ذلك في أوائل سبعينات القرن المنصرم، والآن ها نحن نرى رئيسًا له مواقف مثيرة وخطيرة من الصين، وكذلك من الصينيين حيث يعتبرهم منافسين غير نزيهين لبلاده، وترامب يفكر دائمًا بعقلية رجل الأعمال، أو التاجر، الذي يود تحقيق أعلى قدر من المكاسب، في مقابل أدنى مستوى من التكاليف.
يخبرنا كيسنجر أنه عندما كان موجودًا في الصين في أبريل الماضي، تساءل العديد من المحللين الصينيين عما يحدث في الواقع على الساحة الأمريكية، وعما يحاول ترامب القيام به، وكيف سيكون ردهم على تعليقاته، ولاحظ أن الصينيين مهتمون بما يقوله ترامب حول المفاوضات الأمريكية الصينية، ويتوقعون أن يكون مصير هذه المفاوضات صادما مثل سلوكه أحيانًا … هل أغلق ترامب الباب في وجه الصين؟
يرى كيسنجر أن الأمر المثير للاستغراب، يتمثل في أن ترامب في بعض الأحيان، يشير إلى أنه سيقوم بإتاحة فرصة لمناقشة هذه المسائل بصفة شاملة، ولذلك هم على ما يبدو متحمسون بعض الشيء لهذه المفاوضات، على الرغم من أوجه التناقض الشديدة التي يتمتع بها ترامب.
يؤكد كيسنجر كذلك على أن ترامب طرح وجهة نظر عالمية خلال حملته الانتخابية، ولكنه يتحدث دائمًا وبصفة عامة، على أنه بإمكانه حل المشاكل الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة عن طريق إبرامه لصفقة شاملة من شأنها أن تعالج العديد من المشاكل الأخرى، ولكن من غير المحتمل أن يتمكن في النهاية من معالجة مسألة النظام العالمي.
حوار «جولد بيرج» مع كيسنجر، يكشف لنا أبعادًا عديدةً عما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا، وعن حالة الانقسام غير المسبوقة التي تعيشها أمريكا، فكيسنجر، يصارح رجل «الأتلانتيك»، بأنه لم يكن يؤيد وصول ترامب إلى سدة الحكم، وأنه لن يتبرع بإبداء النصح لترامب، لكنه لن يتوانى عن ذلك، حال طلب رجل البيت الأبيض النصيحة.
لم يشارك كيسنجر في الحملات الانتخابية الرئاسية في الماضي، ولم يفعل بالطبع هذه المرة، غير أنه لا يتفق مع مواقف ترامب في العديد من الموضوعات، ويفضل أن يكون الآن حياديا بالنسبة للحزبين الجمهوري والديمقراطي، ذلك لأن عنده أن التاريخ الأمريكي يعيش حقبة حرجة، يقوم فيها المرشحون الرئاسيون بتبادل الاتهامات علنا، بدلاً من مناقشة النظام السياسي الأمريكي بصفة جادة.
ذكاء كيسنجر الحاد يتبدى واضحا في سطور هذا اللقاء المهم بل والمتميز جدًا، يسأله «جولد بيرج»: هل يمكن القول، من وجهة نظرك أن ترامب لا يرقى لمستوى شخص مؤهل لتولي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية؟
والجواب عند ثعلب السياسة الأمريكية هو أن كل رئيس أمريكي في فترة ولايته الأولى يتعلم شيئًا جديدًا بعد أن يأتي إلى السلطة، ولا أحد يمكن أن يكون جاهزًا تماما للأزمات التي ستعقب وصوله، وفي حال ترامب، فإن إدارة الأمن القومي الأمريكي، هي من ستأمل أن يتعلم ترامب أبجديات سياسة السلطة الناضجة..
الجواب المتقدم في واقع الحال يفك لنا شيفرة سؤال غاية في الأهمية.. كيف سيقود ترامب أمريكا وليست لديه الخبرة السياسية؟ والرد قدمه كيسنجر، أن منظومة الأمن القومي هي التي سوف ترسم له في غالب الأمر، ملامح ومعالم تلك القيادة، بل إلى أبعد من ذلك يمكننا القول إن ذلك المجمع الأمني الأمريكي، مضافا إليه مجمع الاستخبارات والمجمع الصناعي العسكري، قد ساعدوا في وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وعلى غير المصدق لهذا الحديث أن ينظر إلى الجنرال «مايكل فلين» مدير المخابرات العسكرية الأمريكية السابق، والذي انشق على إدارة أوباما واستقال منها، وتاليا انضم إلى حملة ترامب، والذين تابعوا خطاب النصر، وجدوا ترامب ينادي عليه من أعلى المنصة، ليشارك فرحة الجمهوريين المنتصرين بالوصول إلى البيت الأبيض.
ما هي الأشياء التي ينصح بها «هنري كيسنجر» الرئيس الأمريكي الجديد وعليه أن يقوم بها؟
عند رجل السياسة الأمريكية العتيد يجب أن يسأل الرئيس القادم نفسه «ما هي الأشياء التي نسعى لتحقيقها؟ وما هي الأشياء التي نحاول تجنبها، حتى لو كان يجب محاربتها بشكل شخصي؟ والأجوبة على هذه الأسئلة هي الركائز الأساسية لسياستنا الخارجية؟ والتي ينبغي أن تشكل أساس القرارات الاستراتيجية التي يتخذها أي رئيس».
وفي تقديره أن العالم يعيش حاليًا حالة من الفوضى، حيث إن الاضطرابات الأساسية التي تحدث في أجزاء كثيرة من العالم في آن واحد، أوجدت معظمها بسبب المبادئ المتباينة للأطراف المتنازعة، ولذلك فإن الولايات المتحدة الأمريكية والرئيس الجديد يواجهون مشكلتين: أولاً: كيف يمكنهم الحد من حالة الفوضى الإقليمية السائدة في أوقاتنا الراهنة؟ وثانيًا كيف يمكننا إيجاد نظام عالمي متماسك يقوم على أساس المبادئ المتفق عليها، التي تعتبر ضروريةً لعمل النظام العالمي بأكمله.
ضمن الأسئلة التي تشغل بال النخبة من مثقفي العالم عامة والولايات المتحدة الأمريكية بنوع خاص السؤال حول المصداقية الأمريكية، وهل فقدت بريقها حول العالم أم لا يزال ضوؤها مشرقا كمدينة فوق جبل؟ السؤال اكتسب خصوصية متمايزة طوال سنوات حكم باراك أوباما، فالرجل فقد ثقة الكثيرين من الحلفاء المقربين للأمريكا، كما أن سياساته المترددة، وعدم قدرته على الحزم في كثير من الملفات العالمية، أديا إلى اهتزاز صورة أمريكا في أعين العالم.
يرى كيسنجر أن مدة فقدان أمريكا لمواقع التأثير في العالم قد امتدت لبرهة من الزمن، ويضيف إنه على غرار الفيتنام، فقد خسرنا الحرب الأفغانية والعراقية عندما فشلنا في الوصول إلى ما كنا نصبو إليه، وكما حدث مع الفيتنام، فقد جمعنا التحديات بمرارة والجدالات التي لا جدوى منها، بالإضافة إلى حصادنا لسلسة من الانسحابات الفردية لوضع حد للحروب التي اندلعت في العالم. وجل ما حصل بعد واقعة الفيتنام، ساهم في انتقال الجدل المحلي في الولايات المتحدة الأمريكية، على مضض، من التأييد العام لأهداف السياسة الأمريكية، إلى المطالبة بإنهاء الحرب واعتبار ذلك غاية في حد ذاتها. لكن من المهم الإشارة إلى أن نهاية الحرب لن تساهم في تحقيق الاستقرار العالمي واستتبابه، إلا إذا تم تحوير الأوضاع والظروف التي أدت إلى البداية إلى اندلاعها.
يفرد الحوار مساحات واسعة للشرق الأوسط والعلاقات الأمريكية مع المنطقة والتي ظللتها ظلال رمادية كثيفة بين القائلين بأن الاهتمام بتلك الرقعة من الجغرافيا قد تضاءل وسيتضاءل أكثر مستقبلاً، وبين المؤكدين على أهميتها كمفتاح جوهري للشرق الأدنى حيث روسيا والصين.
يتحدث كيسنجر عن العلاقات السنية – الشيعية فيستفيض، ثم يتوقف طويلاً عند الأزمة السورية، والاتفاق النووي الإيراني، وجميعها تحتاج لمقالات كاملة، غير أن السؤال الجوهري عن الحل الأمثل لتحقيق السلام بين إسرائيل والعرب يبقى دائمًا وأبدًا شغلنا الشاغل… ماذا عن ذلك؟
يرى كيسنجر أن الصراع الدائر في سوريا وحولها يتصف بالتعقيد، وقد أدى ذلك لمزيد من تعقيد حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل، إذ أنه يمكن لدولة أخرى صغيرة أن تنجو في هذه المنطقة التي انهارت فيها سوريا والعراق، ولم تعودا قادرتين على فرض السيادة والوحدة، وبات بالطبع من المستحيل عليهما المساهمة في ضمان أمن المنطقة.
كيف يمكن للتفاوض بين فصيل فلسطيني واحد وإسرائيل أن يضمن السلام الشامل؟ إذا وصفت أتفاق سلام بأنه «نهائي» فإنك أوجدت عددًا كبيرًا من المشاكل التي يعود سببها كلها إلى وصفك للحل بأنها نهائي وإذا تم التفاوض على حل نهائي مع إسرائيل، وخضع نتانياهو وقبل به، فإن الحكمة -والكلام لكيسنجر- في هذه الحالة تقتضي منا أن نتساءل: أي دولة عربية لديها القدرة على الدفاع عن هذا الاتفاق؟
يلفت كيسنجر الانتباه إلى جزئية مهمة في حديثه ينبغي على إسرائيل بنوع خاص أن تتنبه إليها: أن المشكلة الاستراتيجية بالنسبة لإسرائيل على المدى الطويل هي أن كل الدول المحيطة بها سوف تتأقلم مع التطور التكنولوجي بشكل أو بآخر في المستقبل، وعاجلاً أو آجلاً سوف تشكل تهديدًا لوجودها. ولذلك فإن الإسرائيليين يفاوضون بشكل عدائي ومتشدد ليثبتوا لأنفسهم أنهم يأخذون هذه التهديدات بعين الاعتبار، أما العرب فإنهم منقسمون على أنفسهم بشأن رويتهم للحل النهائي.
يبدو أن لدى كيسنجر رؤية واضحة نهائية بشأن منطقة مليئة بآبار النفط، ومن حولها أعداء يحملون الكثير من أعواد الثقاب ويتربصون بها.
رؤية كيسنجر تتصل كذلك بأوروبا، تلك القارة التي صدرت للعالم التنوير، واليوم تكاد تجد مشاكل عديدة في «حركتها التاريخية وعقليتها الطموحة»، وباتت مشغولة بل مهمومة بسياقاتها الداخلية، والمليئة بالمتناقضات.
وفي كل الأحوال يمكن اعتبار حوار كيسنجر تاريخًا واستشراف تأريخ للماضي الذي كان، واستشراقا للمستقبل المأزوم الرابض خلف أبوابه الكون.