شمس وقحة

صالح العامري –

1- الانتظار

عشرون عاماً، دون أن أكون موجوداً أبدا، علقني الغيب في جوفه. عشرون عاماً قاس بفرجاره الهندسيّ هطول قطرتي من بين تجاويف السحب المتراكمة الصخّابة في الأعالي، عشرون عاماً اضطلع كيهوذا بأن لا يرتعش ولا يتململ، وأن يصبر على شهوته الأنانية، منطوياً على أكاذيبه وخدعه التي سوف تنفجر- وا أسفاه- تحت طعنات الغواية التي لا تُحتمل، الغواية التي لا تكل ولا تحنث بوعدها على مرأى من النجوم والحشرات الطنّانة والأعشاب السائبة التي لا تُعرف لها بذور.
كنتُ هناك في تلك السنين الخوالي، متعاطفاً مع العدم، مؤازراً عضد الغيب كي يكون حروناً وجافلاً مثل طينتي العصيّة. كنتُ هناك بلا أية خِلقة أو جِرم أسبِّح باسم المرافئ كي لا تصل السفن، باسم الأكوان كي لا تصطدم المجرات، باسم الخيول حتّى تجمح بعيداً عن اسطبلاتها الخرقاء، باسم الصباح كي لا يجيء فيتحول إلى مجرد علكة أو زراية، باسم الشجر اللامولود كي لا ينقضّ عليه الحطّابون، باسم البحر المشعّ الملتاث في زرقته كي لا يمتلكه الجبابرة أو الصيّادون.
أرخيتُ حبالي للغيب كي يسرف في الانتظار، وينحسر مدّ النبوءة. بالغتُ في أن أعلف النوق كي أغويها لكي تتشرد في التيه والصحارى عوض أن تبرك في مَناخاتها المزرية. نفختُ في رحم القرية أن لا تلد أيّ حطام أو أية بذرة سقيمة مثلي، رجوتُ السماء أن تتمدر والأرض أن تتعطش كي تلد خلقاً آخر وحدائق وحيوانات وحشرات لائقة منذورة للفرح.
لكنّ رجلاً قروياً وامرأة قروية، لم يكن باستطاعتهما أن يسكتا عن شرّي وعن نشيدي، خصوصاً وأنّ البحر يركلهما كلّ مساء بموجاته الهائجة، وأنّ الصيف يلفهما في حُرَقِهِ وشهواته، وأن الغرائز العارية لا تقوى على القبر والدفن. ولهذا كان على الانتظار أن ينفجر، وعلى الصبر أن يندكّ كأي قلعة تافهة.

2- مبارزة النار

كان الحريق يزحف في تؤدة وعلى مهل، يأكل بتلذذ أكواخ القرية وكراجينها كوخاً كوخاً وكرجيناً كرجينا. الناس تهرب إلى الجهة الغربية من القرية، حاملين ما تيسر لهم من المقتنيات التي يظنونها ثمينة أو ضرورية. أما الصِبية ففي هرج ومرج يتصايحون راكضين كأنهم في عيد وليس في مشهد مأساويّ. كانت القرية تشتعل، وألسنة النيران تتلقف ما تصادفه، لاعقة بحنان مفرط كل الأشياء التي تقترب منها. الحيوانات التي قيض لها الانطلاق من الحظائر تهرب في هلع من المطالع الحمراء والأفران المتحركة، أما التي لم يسعفها أصحابها بتحريرها من قيودها فتأخذها النيران غنيمة من غنائمها الدسمة.
كل الناس والحيوانات قررت الهرب من الحرائق المندلعة بجنون، إلا شخص واحد فقط، أقسم الأيمان المغلظة على زوجته أن لا تأخذ حتى مقدار ذرة من متعلقاتهم، وأن تمكث في البيت دون أن تهتم بأمر النار، وأنه بطلاسمه وعزائمه النادرة يمتلك القدرة على أن يحمي بيته من الخطر المحدق. غير أنّ المرأة المعجونة بالسخرية والكلمات الشعبية، صبّت عليه وابلاً من الكلمات المقذعة، حاملة صرة زرقاء على ظهرها، مولية الأدبار، هاربة من رَجُلِها الذي لا يمكن تحمّل نكاته الخرقاء.
في اللحظة الحاسمة، وقد بدأ أنفه ينحشر بالروائح الخانقة، صعد على سقف الكارجين، هازاً سيفاً صقيلاً، كان قد ورثه عن أبيه، الذي ورثه هو الآخر عن أبيه. وقف هناك متسمراً بعوده النحيل، كأيّ ملاك بائس، مخدراً بالتمائم والتعاويذ الكونية، صائحاً في الحرائق المنتشرة على مقربة منه «تعالي هنا، اقتربي مني، لكي أقطعك بسيفي هذا، وأرميكِ لقمة سائغة للكلاب. تعالي أيتها المأفونة، الملعونة، لكي تعرفي من أنا وبأي سيف سوف أضربك وأقضي على لؤمك وشرّك وطواغيتك. تعالي لكي أفصل رأسك عن جسدك، وأن أخرق لسانك بهذا البتّار، وأن أعيدك إلى رشدك وصوابك وقمقمك. تعالي أيتها البكماء الخرساء، التي لا تعرف معنى الحياء».
أثناء تلاوة تعاويذه وتمتماته الهاذية كانت النار تقدح بشررها في ظهر الكوخين السعفيين، متجهة نحو الكارجين، الذي يقف عليه مبارز النار، دون كيخوت القرية، الذي لن ينجو حتماً من لسان زوجته الخبيث، حتى لو نجا من كل نيران الجن وحرائق الأبالسة.

3- شمس وقحة

• شمس وقحة لأنها وحيدة واحدة. وقحة لأنّ مآثرها يابسة وفرنها كذاب. وقحة لأنها كالعروس التي افترسها التمساح ولم يصطفيها النهر حليلة أو خليلة. وقحة لأنها كالمياه التي تتبخّر دون تصل إلى جذر أو غيمة.. وقحة لأنها تعرج في دورتها المؤكدة دون أن تتأمل دوران العالم. وقحة لأنّ مطابعها خيبة أمل ودفاترها نكبة ودروسها عار. وفحة لأنها كالنملة التي لا تذهب إلى العمل الصادق، وكالنحلة التي ارتضت أن تجني شيئاً خسيساً لا شأن له بالعسل. وقحة لأن أدمغتها تطفح بالزفت والقطران، ولأنّ ليلها مخزٍ ونهارها عدميّ.
• تنتحب الظلال الأسيانة على التعسف والغمط الذي لحق بأحوالها، تنتحي مكاناً قصياً لعلها تداري دموعها وأحزانها، أو لعلها تلتقط أنفاسها مجددا لتعاود السير في طريقها المشجّر. وكمن به مسّ من جنون، تحاول أن تستعيد صوابها الأملس، وفراشاتها اللعوب، مسندة رأسها الجليل على قلبها، كمن يهذي في سقطته أو مصيره المنكسر، فمن غير المعقول لحساسيتها المفرطة وأزمنتها المتحولة أن تتسلط عليها شمس تسطع كبهيمة وتحضر كقبر، شمس لا همّ لها سوى الإحراق والاحتراق، شمس تسوط كجلاد وتبرز كطاغية وتفتك كأيديولوجيا وتقف في طريق المعنى كغول أو هيدرا أو جبل.
• تعتاش النار على قشّها، تجول الحقائق الخرساء كذئاب الليل الجوّالة وهي تفترس القطرة والبذرة، وهي تفرز السُمّ في كهوف خلاياها العمياء، أما الدم فيتصبب وينسكب في كل مكان، حيث الحرب تتسيّد بأسيدها الحارق ومعدنها القذر.
• تحتفل الشمس المدعية بتعاليها عن الزهرة والينبوع، بسطوعها الأخرق كجرح ينبح في الريح، سائقة قطعان أغنامها الهمجيّة ونعاج فضائلها الموقوتة.
• كيف يمكن لكل هذا الخراب أن يرتفع وأن ينتصب على الأرض؟ ولتلك الحكاية الممزقة، ذات العهن المنفوش، أن تغدو قميصاً وبنطالا وسترة واقية من القرّ والمطر؟ ولتلك الإشاعة القديمة، ذات الوجه الآفل، أن تتفشى وتنتشر الآن؟ ولذلك الأخطبوط الأحدب المتواري بين الشعاب المرجانية، أن يطير فجأة بأسلاكه الكهربائية وشروره العمياء، لاعناً وملعوناً، فاتكاً بالوردة ومضطلعاً بالزقوم؟.
• كنا ثلاثة، في منتصف الليل، قُبالة الضحك والحُمى والقشعريرة الجوّالة في الكلمات، بينما كان رابعنا يرزح تحت وطأة الشمس النهمة، الشمس التي تلتهم الصدغ والكتفين. كان يتآكل حول الطاولة، كان الدود يزدرده بطريقة منظمة، كان يتبشّع في ملبسه الأنيق بفعل الشمس الضارية، كان يذوب كحبة فراولة في بؤرة الشمس العمودية، كانت الشمس الوقحة تسحبه رويداً رويداً إلى حطامها، إلى مقبرتها، إلى إسطبلها، إلى مكبّ نفاياتها، إلى كهفها الموصد بقفل الليل الهزليّ.

4- مرور الشبح

تمتزج الأصوات العالية وتتشابك في أرجاء المطار. نخرج مسرنمين من نقاط التفتيش الأخيرة، ربما لأنه الصباح الباكر. كان أحدهم أمامي مباشرة يحمل حقيبة ظهر على شكل مستطيل أحمر، أوقفه الشرطي جانباً، قائلاً له: «ما هذا؟» وبدأ في تفتيشها. تابعتُ سيري، مجتراً شحوبي وكآبتي. يستوقفني شرطيّ مدنيّ بمرح مفتعل جداً، وهو يردد في ثقة، لا يتمتع بها عادة إلا أمثاله:

– «ما سبب مجيئك إلى الدولة؟».
– لحضور مؤتمر للغة العربية.
– «هل تمزح معي؟ هل قلت لزيارة كوريا؟».
– لا، يبدو أنك لم تسمعني، بل مؤتمر للغة العربية.
– أها. تفضل، تفضل.

رأيته يتحاشى ظلي الذي بدأ في السقوط عليه، رغم أن الأضواء الساطعة لم تكن تتيح رسم أي ظل هناك. ربتُّ على كتفه الأيسر كأنني أشكره، ظاناً بأنه يمقت أي حركة من هذا النوع. بعد أن فعلتُ ذلك، ندت مني ابتسامة، ربما هي الابتسامة الأولى التي برزت على شفتيّ في حياتي كلها. الغريب في الأمر، وكأنني أضحك في داخلي، قلتُ في نفسي، متابعاً سرنمتي الهادئة: «الشبح يمر الآن»!.