«وأموتُ من خوفٍ عليك»…

عبدالله حبيب –

استكمالاً للحلقة السابقة : الأحد 24 يونيو 2001، أبوظبي:
أثناء الحديث عن «وردة» صنع الله إبراهيم كنا نتمشى ظهرًا بين بنايات أبوظبي النيويوركيَّة، قريبا من منطقة النادي السياحي، في طريقنا المتلمس أقرب مقهى مفتوح. يا لقلة أي ما هو عربي حولنا، ويا لقزميَّتنا التي لا يمكن تجنب اكتشافها في ظل ناطحات الرمال ومناطحاتها. كنت أختلس النظر (تقريبًا) إلى ما حولنا فأدرك سوريالية الأمر كله من غير التلفظ بما يبوح بذلك. لقد شخنا أكثر مما ينبغي حين ابتعد الماضي إلى هذا الحد، بحيث أزاح حتى شبح المستقبل. سألت أبي مؤخراً عن استخدامات «حتى» الكلاسيكية في العربية رغبة مني في تتبع جذر استخدامها الشائع الجديد الذي جاء نتيجة لترجمة و«تعريب» الفعل المتعدي واللازم الإنجليزي «even»، فلم أعثر على جواب شاف على الرغم من الفائدة التي جنيتها من ذِكْرِ أبي لاستخدامات «حتى» المتعددة في القرآن الكريم، فهذا هو مجاله الحيوي. فاطمة حبيب قالت انه ما من جذر في الفصحى لاستخدام «حتَّى» بهذا المعنى الحديث. يجد المرء هنا مثالاً على التجديد الذي تدخله الترجمة من لغة المصدر إلى لغة الهدف، وهذا أمر أتوق إلى أن أكتب عنه، حيث من الملاحظ أن كثيرًا من العرب الذين لا يحسنون لغات أجنبية صاروا «يكتبون» بها عمليًّا؛ فعلى سبيل المثال يكثر ما أسميه «لام النسبة المُتَرجَم» –وليس لام التعليل– في الكتابة العربية الحديثة. لكن لماذا ألجأ إلى أبي وفاطمة فيما يخص «حتى» في الوقت الذي يوجد فيه في تاريخنا الفيلولوجي ذاك الذي حين كان يُحتضر كان يتأوه أسفًا: «أموت وفي نفسي شيء من «حتى»؟!.

ليلاً، زيارة جرحى الانتفاضة الفلسطينية في مستشفى الشيخ خليفة برفقة […]. في الطريق إلى المستشفى، الذي بني بعد مغادرتي أبوظبي، كنت أفكر في توأمه اللصيق، مستشفى الجزيرة، الذي لا يزال يعج بالأحياء والأموات. تذكرت زياراتي لعبدالله علي المعيني في سكرات موته الطويلة؛ عبدالله الذي رحل ضحية للعسف والاضطهاد. كان واحد من كوابيسي «الأثيرة» في تلك الفترة (نهاية السبعينات) انني أهرع إلى قاعة كبيرة مليئة بالأطباء وأتوسلهم أن يفعلوا شيئًا لأجل عبدالله، فيكون ردهم هو أن يهزّوا رؤوسهم ذات اليمين وذات الشمال بحركة ميكانيكية وهم يضحكون بسخرية، فأفيق وأنا أغالب التنفس وغارق في بحيرة من العرق. حين مات عبدالله لم يجد على الأرض كلها سوى سنتيمترات قليلة من الشجن والتراب في مقبرة بلدية مدينة العين التي نُقل إلى أحد مستشفياتها لاحقًا في مكوكيَّة اليأس، والحزن، والخسارة، حيث لا يزال يرقد هناك في قبر لا أثر له جنبًا إلى جنب مع العمال الآسيويين، والمهاجرين الآخرين من مختلف أصقاع الأرض الذين لم تُمَكنهم أحلام العيش بستر وإنسانية إلا من الموت، ومجهولي الهوية الذين في أنَفَة وحدتهم لا تتذكرهم سوى الريح حين تنوح على قبورهم في الليالي الباردة والكئيبة، وتودعهم بأوراق أشجارها وهي تسَّاقط على ذكراهم كَمَدًا جَنِيَّا. فليرحمنا الله وليغفر لهم يا عبدالله. وها أنا أزور الليلة، على مرمى حجر من حيث كان يرقد الضحية عبدالله المعيني ضحايا عسف آخر ــ أهو «آخر» حقاً؟.
التقيت محمد حجّو (والد إيمان حجو، الملاك الذي لم يطق البقاء بين ظهرانينا -والتعبير هذا يكتسب أهمية فيزيقية تقريبا ما دام لم يعد لنا وجوه، وكثرت ظهورنا وما نفعله وراءها- أكثر من أربعة أشهر. يا لجلدها وصبرها)!. لقد بَقَرَ الصهاينة إيمان برصاصة تكفي لقتل فيل في الغابات الأفريقية. حدث لقائي بمحمد حجّو بعد أن عاد مُتَبضِّعاً من السوق فيما يبدو انه «شيك على بياض»، وحاولت أن أتحدث معه عن استذكاراته من «إيمان» غير انه بدا جليًّا ان ما لديه من بضائع السوق يهمه أكثر، بحيث إنه صار يحكي عن الأحذية الرياضية ذات الماركات العالمية التي وجدها في السوق هنا بينما لا يستطيع الحصول عليها في بلاده، وأنا أفهمه جيداً وأعذره تماماً في مضاعفة لفداحة ليس هو سببها، إذ السبب هو كل هذا الخزي العربي من ألفه إلى يائه.
كنا نود مقابلة سوزان، زوجته، أم إيمان الشهيدة، غير أنها كانت مدعوة إلى مأدبة عشاء في ضيافة […]. لم أستغرب كثيرًا. ينتظر من هم على الأرض عوائد كل من ذهب إلى السماء.
تحدثت مع هذا الجريح وذاك المجروح. بيد أن أكثر أوقات الزيارة اشتعالاً في الدم لم يكن مع الجرحى البالغين، بل مع الأطفال والصبية الذين عمَّدوا انتماءهم إلى الحرية والإنسانية بالدم والعظام والأسنان. حمَّاد جمال الفرَّا (13 عامًا) أصيب برصاصة «دمدم» كسرت أربع من أسنانه وبقيت شظايا منها في مؤخرة الرأس؛ غير أن إجراء عملية لإخراجها (إن في أبوظبي أو في ألمانيا كما اقترح أحد أطبائه ممن تحدثت اليهم) ينطوي على احتمال إصابته بالشلل. كان حمَّاد هادئ النظرات، حزيناً، وعازفاً عن الكلام، ولا يريد أي أحد، ولا ينتظر أي شيء. مرحى له.
إلا أن أكثر من استوقفني منهم كان مهند ماهر عسليَّه من نابلس (13 عاماً، تلميذ بالصف السابع). كم كان هذا الصبي شهماً وسخياً بحيث انه أصر على تناول حلويات من تلك التي تراكمت لديه من زوار آخرين. وحين طلبت منه أن نتناول حلويات من إحدى اللعب التي أحضرناها هدايا بسيطة للجرحى قال مازحاً إنه سيتلذذ بالحلويات التي جلبناها بعد أن نرحل عنه!. أصيب مهند -هذا الفتى المحب للاستطلاع حد الفضول، والذي يتدفق الذكاء من عينيه وكلماته- بشظية رصاصة في عينه اليمنى، وأخذ يشرح لي بصورة تفصيلية، عبر استخدام مفردات طبية عربية دقيقة طبيعة إصابته، ولهذا لم تصبني الدهشة حين سألته عما ينوي أن يكون فقال انه ينوي أن يكون طبيبًا ليعالج الجرحى من أبناء شعبه. غير أن من أهم ما قاله مهند في حديثي الطويل معه أن السلطة الوطنية «تتفاوض عَ شوية جبال، بس إحنا ما فيه حده يتفاوض عنا،» وبالطبع كانت ألف المد التي ترد في آخر الكلمة تنطق كالياء في اللكنة النابلسية («عني» و«مني»)، ، الأمر الذي اعتبرته، في أثناء الحديث، شيئًا يخص لغة جديدة.
ترك فيّ مهند انطباعا قويا، وأملا من نوع ما، وشعورا عارما بالعجز معه والتفاؤل بسببه.

الإثنين، 25 يونيو،2001، أبوظبي:

البارحة، بعد منتصف الليل، الذهاب إلى «المركز الطبي الجديد للعلاج» بسبب ألم حاد في المعدة يتفاقم منذ أيام. وقد كان نفس الطبيب الهندي الذي عالجني من نفس المرض في يناير الماضي موجوداً ينتظرني هذه المرة أيضاً وهو يقرأ عددًا جديدًا من صحيفته «الأورديَّة» ذاتها. حسن جدًا، يبدو أن المهمة الوجودية الوحيدة المناطة بهذا المخلوق هي الاهتمام قدر الإمكان بأمعائي ومتابعة أخبار وطنه.
حقاً، ما أشبه الليلة بالبارحة، فهذه المرة أيضًا، وإضافة إلى العودات السابقة للأشياء، أثبتت الفحوص التهابا لم أُشفَ منه بالكامل طوال الشهور الستة الفائتة. فقط، كنت أعالج الداء بالداء.
استكملت علاج الأسنان في الضحى، وأخذت سيارة أجرة من العيادة إلى محطة الحافلات مباشرة للسفر إلى مدينة العين. كان بطني يؤلمني في الوقت الذي بدأت فيه الأسنان تفيق من تخديرها. في أحد حمامات محطة الحافلات «تكحلت» عيني بهذه الكتابة على الجدران: «بدِّي أنـ […]ـ ك اترك رقم تلفونك أو حدِّد موعد ز[…]ـي في خدمة طـ[…] ك»، وتحت هذا مباشرة: «روح [……..] »، و«ليست إسرائيل عدوتنا وحدها ولكن أمريكا أيضًا ويجب علينا محاربة أمريكا بكل الوسائل المتاحة أمامنا». من الواضح جدًا انه لم يطرأ جديد على أكبر مأزقين عربيين: الكرامة، والجنس!.
في الطريق من أبوظبي إلى الشارع الصحراوي (والذي لم يعد صحراوياً تماماً) إلى العين أخذت أرقب من نافذة الحافلة المدينة التي لم تهدأ حدة مرارة ذكرياتي فيها، ولم يتجدد فيها شيء سوى المزيد من البنايات الجديدة: لا أظن أن هناك مدينة على الأرض تجدد بناياتها، وتحتفظ بكل ما عدا ذلك نفسه، أكثر مما تفعل هذه المدينة. كما استوقفتني لافتة تجارية شاهدت مثيلتها قبل أيام في مدينة العين: «المؤسسة العربية الأمريكية لمستحضرات التجميل». يا له من عمل شاق ذلك الذي ينتظر هذه المؤسسة! (أم ترى انه عمل سهل جداً)؟!.
في الطريق كنت سعيدًا أن سائق الحافلة الآسيوي ليس لديه هاتف نقال يتحدث فيه طوال الرحلة كما حدث في المرة الفائتة، حيث كان من الممكن لعزرائيل أن يدخل على الخط بكل سهولة في أي لحظة. واستأنفت قراءة مذكرات هيرمَن هسَّه.
كم أفهم ما يذكره هسّه عن انعدام علاقته بالصباح «الذي تغنى به الشعراء» بسبب «الأرق الذي يحرم من متعة الإفاقة مع الشمس»، «فأنا والصباح نكره بعضنا» كما يقول. وضمن أشياء أخرى كثيرة، أعجبني الـ ambivalence الذي وسم علاقته بالسينما، وهذا أمر يعزف على أوتاري الحساسة في هذا الطور المرتبك من علاقتي بالشاشة.

الثلاثاء 26 يونيو، 2001، الشارقة:
[…] وأنا سافرنا في أول الليل إلى الشارقة لزيارة عبدالرحمن حسن وموزة مطر. لدى هذين الصديقين الرائعين، في كل مرة أراهما فيهما، القدرة المثيرة للإعجاب على التألق بكل ما مضى وانقضى، بحيث أن على المرء أن يراهما إن شكَّ في انقراض كل ما هو إنساني، وعماني، وأصيل، وجميل. ابتهجنا ورددنا مع عبدالرب إدريس ما تيسر منه، فهذه فعلاً «ليلة عمر».

الأربعاء 27 يونيو 2001، الشارقة:
قابلت حسن مدن في جلسة بديعة كان الشأن السياسي والثقافي في البحرين الموضوع المسيطر عليها. أخبرني عن السماح له بالعودة إلى البحرين مؤخراً وأخيراً ولقائه بـ[أكبر رأس في البلد] مع خمسة آخرين من رفاقه القياديين في التنظيم هم […]. كعادته كان أبا علي حصيفاً وثاقباً في رؤيته لاستحقاقات مرحلة الانتقال من النضال السياسي السري إلى العمل الوطني العلني سواء فيما يخص «الشعبية» أو «التحرير». كم هم البحرينيون متقدمون علينا في الحنكة السياسية وطول النَّفس والتعامل مع كل مرحلة بأدواتها، بينما اعتقد العمانيون أن «الكلاشنكوف» وحده سيتكفل بكل شيء في كل المراحل، ووضعوا كل بيضهم في مخزنه الناري الأوتوماتيكي بحيث إن مجرد الحديث عن إمكانية التحول إلى حزب سياسي منزوع السلاح مُرَخَّص كان علقماً زقّوماً ممنوعاً بناء على أوامر القيادة (ذات «الديموقراطية المركزية»)!. لا يُسمح بالحديث إلا عن «العنف الثوري» و»النضال المسلح» في الوقت الذي أنبأتهم فيه زرقاء اليمامة أن الأشجار تتحرك. لكن زرقاء اليمامة لم تجد أذناً صاغية أمام جلبة الهوَّة الانتحارية التي خرَّ فيها الجميع استشهاداً وخيانة. تذكرت ما قاله عبدالرحمن النعيمي (سعيد سيف) للشهيد […] ذات مرة: «انتو العمانيين شاطرين في شيء واحد بس: الاستشهاد. لكنكم ما تفهموا أي شيء في السياسة».
طبعاً، في الحديث مع مثقف كبير وسياسي ضليع مثل حسن مدن لا ينبغي طرح الثنائية القطبية المؤلمة «شعبية/‏‏‏‏ تحرير» هذا على الرغم من أن هذه الثنائية المقيتة قد استنزفت البحرينيين كثيراً، ووصل الاحتراب الداخلي إلى حدود مؤسفة من قبيل أن «الشعبية» كانت تعمل جاهدة على حرمان الكوادر الطلابية المنتمية إلى «التحرير» من البعثات الدراسية التي كانت تقدمها دول المعسكر الاشتراكي (والعكس صحيح أيضاً)، وفي أية حال، فإن أهل البحرين أدرى ببعضهم البعض. في عمان، وعلى الرغم من كل المآسي، يجب القول إن العلاقة بين «الشعبية» و«العمل» كانت علاقة رفاقيَّة شريفة ونزيهة على الرغم من البون الشاسع بين الماركسية والبعثيَّة، أما «الاتحاد» فقد كان مجالاً للتنافس الحر والشفاف بين التنظيمين، وأعتقد أن هذا هو الشيء الوحيد الذي استطعنا أن نتفوق فيه على البحرينيين.
تطرق الحديث إلى الماضي، ومن حسن مدن وقفت على كثير من التفاصيل التي أجهلها عن ظروف اعتقال واستشهاد سعيد العويناتي تحت التعذيب من دون أن يتمكن جلادوه من انتزاع اعتراف واحد منه. قلت لحسن إنني نشرت في الثمانينات مراجعة على طريقة «نص على نص» عن المجموعة الشعرية الوحيدة للراحل، «إليك أيها الوطن، إليك أيتها الحبيبة»، والتي طبعت بعد استشهاده. على المرء أن لا يؤجل البحث عن كتاباته المنشورة القديمة أكثر من هذا ليس لأنها مهمة، بل لأنها تعني الذاكرة. وقلت لِحَسَن إنني سأظل أتذكر دومًا المقطع الافتتاحي من قصيدة سعيد العويناتي «التفتيش»: «في تمام العاشرة.. فتشوا بعض ازاهير الحديقة..‏‏ وجدوا الماء يغني..‏‏ والعصافير على غصن الشجر.. ضحكت.. زهرتنا الحمراء.. كان القمر الوحشي.. يستأنس في الليل الصلاة.. وأبي في وسط الحوش..‏‏ يدير الأغنيات.. وأخي الأصغر يتلو بعض آيات من الذكر الحكيم.. وصغار الدار في الأرصفة الدنيا يغنون الحياة.. وأنا متكئ أقرأ تولستوي أحلى الذكريات.. في تمام العاشرة.. دخل الجند الحديقة…». وقلت لِحَسَن انني سأتذكر ما حييت المقطع الختامي من قصيدة الرثاء التي كتبها قاسم حدّاد في رفيقه وصديقه سعيد العويناتي: «تعال لنقرأ نصك الآتي معاً.. وأموت من خوف عليك». وقلتُ لِحَسن: […].
في ساعة متأخرة من الليل […] وأنا عدنا إلى البريمي ونحن في غاية الإنهاك لفرط الحب والذاكرة.