قصة : غلام.. لوحة متخيلة

محمود الرحبي –

ظِلُّ الحاج خميس يقترب من الجدار متحدا بظل ابنه غلام.. ثم دلف الظلان دفعة واحدة من فتحة الباب.
كانت تلك من المرات القليلة التي يلتقي فيها غلام، العائد من ساحة اللعب، بوالده الآيب من صلاة المغرب؛ فقد كان الصبي حذرا من مثل هذه اللحظات التي تكلفه عادة دفعة من اللمز القارص:
– لا دراسة ولا صلاة…
انسلّ غلام مختفيا بين جموع الأطفال الذين يتواثبون على البيت من كل ركن في الحارة، ثم شرع يضرب برجله باب الحمام المغلق. والأب شق طريقه إلى مهجعه في الصالة انتظارا لتمر وقهوة المساء.
في تلك الأثناء كان المدرب المصري علاء، وهو مدرّس رياضة يستغل وقت فراغه المسائي لتدريب صبية الحارة التي يسكن فيها، يشق طريقه نحو بيت غلام، برفقته مدير الاتحاد العماني والمدرب ممدوح خفاجي، لمقابلة والده وإقناعه بالموافقة على انضمام ابنه إلى المنتخب الوطني. فالمدرب الذي تم اقتراحه من اتحاد كرة القدم في بداية سبعينات القرن العشرين لاختيار أول لاعبي المنتخب العماني، عبَر على معظم حارات مسقط هو وطاقمه لاختيار من يستحق الانضمام إلى تدريبات المنتخب؛ فوقعت عين المدرب على غلام واستوقفته رشاقته وسرعة حركته في ربوع الملعب وجرأته في اقتناص الكرة وعطش عينيه في ملاحقتها.. كل ذلك لم يفت المدرب، ما دفعه إلى اختياره، ولكن غلام ربط موافقته بموافقة أبيه.
حين دخل الثلاثة من الباب بعد أن طرقوه طالبين مقابلة الأب، قام لتحيتهما ثم جلبهما للمشاركة في تمره وقهوته المنتظرة.
تقدم غلام وفي يده صحن به تمر ودلّة قهوة تسبح فيها فناجين مثلومة الحواف. التقموا حبات التمر صامتين، ثم شرع غلام في تمرير فناجين القهوة واقفا بالتساوي على الجميع.
بادر المدرب بذكر الصفات التي يتميز بها غلام، ثم طلب من الأب الموافقة على ضمه إلى الاتحاد للعب، وشرح له أن الأمر يتطلب منه أن يغيب أحيانا عن البيت عدة أيام للتدريب والمشاركة الخارجية إن اقتضى الأمر.
-لا أوافق.
رفع الأب يسراه بحزم وهو ينطق عبارته الجازمة.
-ليش؟
-(إيش، ليش! هذا ولدي الوحيد وأنا احرصه يشتغل شرطيا أو جنديا في الجيش ويساعدني ويساعد خوته وانتو باغيينه يقضي حياته يلعب؟!)
-يا عمي، ده مش أي لعب، ده لعب كبار.. دي كرة قدم.
-أي كرة قدم هذي؟ هذا جنون. شفتهم مرة يتقاتلوا على قطعة توفه* ما يجي قيمتها ربع ريال. أروم أشتري له وحده ويجلس مكانه في البيت.
ضحكوا جميعا، ثم برقت في ذهن المسؤول العماني فكرة استحسنها والد غلام، إذ اقترح عليه أن يجد عملا لغلام في مبنى الاتحاد وسيتكفل بنفسه بالتوسط له. وافق الأب شريطة أن يصل إلى يديه راتب ابنه كل شهر.
ومع مرور الأيام والأشهر، كانت تصل إلى مسامع الأب الإنجازات التي يحققها غلام مع المنتخب وذلك المجهود الضخم الذي كان يذهب سدى لزحزحة منتخب بلاده من مركزه الأخير، الذي ظل لا يبرحه سنين طويلة. ولكن الأب لا يعلم أن العمل الذي أنيط لابنه في مبنى اتحاد كرة القدم لم يكن سوى طباخ للشاي والقهوة، ومراسل في أحسن الأحوال.

————-
*توفه: تعني كرة، باللهجة العمانية القديمة.