صادق العظم لم يترحم عليه الزملاء

عادل محمود –

الدكتور صادق جلال العظم أحد أهم المشتغلين في الفكر النقدي بإثارة الشك، وصياغة السؤال، والبحث عن جواب.
وباكراً جداً، وفي ظروف رياحها عكس الأشرعة كتب قنبلته المعروفة «نقد الفكر الديني» الذي أودى به في الستينات الماضية، إلى المحكمة، والمصادرة.
بعد حرب 1967 وكانت الهزيمة فيها أمام إسرائيل كارثة لم يصدقها أي كابوس عربي. حتى إسرائيل لم تصدق أنها في ستة أيام استولت على قناة السويس وكل صحراء سيناء وسواحل العقبة ومضائق تيران، والجولان السوري والضفة الغربية، والقدس.
لهول الصدمة كتب كثيرون عن الهزيمة، وقد سميت نكسة، ومن الكتب التي حظيت بقراءة شاملة وواسعة، كتاب د. صادق جلال العظم «النقد الذاتي بعد الهزيمة» وفي الكتاب إجابات حاسمة وليس أسئلة متسائلة، حول الوضع المتخلف العربي، وهشاشة كل شيء من الجيوش إلى العروش، ومن أم كلثوم إلى صوت العرب… ومن الجامع إلى الجامعة. وطبعًا كانت روح هذا الكتاب أيضًا تنتمي إلى روح ذاك الكتاب «نقد الفكر الديني».
صادق العظم…لم يهادن أبداً القسم المتعصب المتمذهب، الأصولي، الفتاوي، الغيبي من الأديان. ولذلك كان يجد سبباً لتعزيز يقينه بأن الفكر الديني -القسم المشائخي منه- لا يمكن أن يسمح بحرية الثقافة، وبإبداع التنمية والتحرر الوطنيين، بل يذهب العرب إلى المجهول ما داموا لا يحدقون ببصيرتهم في المعلوم «لقد تخلى العرب عن إيمانهم بالله… فتخلى الله عنهم». (مفتي مصر -67)
كتب صادق عن سلمان رشدي وكتابه «آيات شيطانية» «ذهنية التحريم» جادل فيه فتوى آية الله الخميني بقتل رشدي، وثقافة الاغتيال بدواعى الفتاوى الدينية. ثم كتب «ما بعد ذهنية التحريم».
عاش صادق كل حياته وله عينان: واحدة على دور الدين في شؤون الدنيا، وأخرى على أثر التخلف في بقاء واستفحال واستمرار المد الديني.
كأستاذ جامعي كان صادق فيلسوف ليبرالية العلم والتعليم، وظل مخلصًا وفيًا لحرية الأفراد، في استقلالهم عن نمطية انضباط القطيع.
ولكن صادق، وهنا إحدى المفارقات الدرامية، مات في ما يشبه خندق الأصوليين الذين كافح فكرهم كل حياته والذين استكثروا عليه جواز الرحمة؛ لأنه غير مؤمن. (تصريح احد قيادات الائتلاف السوري)
لقد أوصله موقفه من «الثورة السورية» الداعم، المساند، والمنظّر إلى تحالف غير مباشر مع الإسلاميين وأوجد بتحليلاته مبررات عديدة لا تنسجم مع فكر وإيديولوجيا وسياسة صادق العظم. ولاحتى مزاجه الشخصي .
طبعاً… سبق هذه المفارقة الدرامية ما هو أكبر…
كل بطولات الفكر العلماني، والليبرالي، والفوضوي وحتى الإلحادي، لم تفعل شيئاً، طوال قرن من محاولات التجديد والإصلاح الفكري والتجديف أيضا، سوى خدش أوراق العمارة العالية للتطرف الديني وصولاً إلى المسلح، فالقاتل، فداعش، فالنصرة وأكثر من 1500 تنظيم إسلامي مسلح.
هذه الدراما تحدث لأن الفكرة وحدها عزلاء. إنها تحتاج إلى نمو حياة جديدة وسعيدة لا يستطيع أي نوع من المذاهب تدميرها… بل يسلم التخلف مرغما أسلحته أمام حداثة يحميها الناس .
الثورة الصناعية الأوروبية… قضت على سلطة الكنائس.
نقطة على السطر.