في اليوم العالمي للاحتفاء بها.. «لغتنا الجميلة».. في عيون هؤلاء

إيهاب الملاح –

الاحتفاء باللغة العربية، بكل تأكيد، أمر يبعث على السرور والبهجة، خصوصا أن اليوم الذي خصص للاحتفال بها عالميا (الثامن عشر من ديسمبر من كل عام) جاء من أعرق المنظمات الدولية الثقافية «الأمم المتحدة»؛ باعتبارها واحدة من أهم خمس لغات في العالم يتحدث بها عدة مليارات من البشر.
الاحتفال هذا العام اكتسب مساحات من الانتشار والاتساع لا تقارن بمثيلاتها في الأعوام الماضية، وبدا أن الذين يحبون اللغة العربية ويحرصون على بقائها حية، متجددة، متطورة، وبشكل لائق وعصري، ليسوا بالقلة التي كان يظنها البعض أو يتصورها قطاع معتبر من المعنيين بشؤونها والمدافعين عنها. لكن الأهم الذي أتصور أنه وراء هذا الطوفان من المشاعر النبيلة الجامحة تجاه «لغتنا الجميلة»، إنما يعكس رغبة ملحة وأكيدة في البحث الجدي عن وسائل وآليات جديدة تعيد الرونق والنضارة إلى لغةٍ عمرها يمتد إلى بضعة آلاف من السنين، وتراثها يحتل مساحة واسعة من تراث البشرية أجمع، ولا شك في أن طاقاتها الجمالية والفنية القادرة على تجسيد أرفع القيم الإنسانية قد أوصلت ابنًا من أبنائها إلى الحصول على جائزة نوبل في الآداب عام 1988.
وليس في وسع أحد أن ينكر أن اهتماما كبيرا ورغبة مخلصة لدى مؤسسات بأكملها، وأنظمة حاكمة بقضية اللغة العربية، وبعث الاعتناء بها وإظهار نضارتها وشيوع استخدامها على الوجه الأمثل؛ قد تنامى بشكل كبير وملحوظ في السنوات الأخيرة بالتوازي مع المبادرات العملاقة والضخمة التي تبنتها بعض الدول العربية في الخليج، في الوقت الذي بدأ فيه أمل كبير يشيع وينمو ويزدهر إزاء نهوض مرغوب وضروري بهذه اللغة ولها، من خلال جهود فردية مخلصة ومبادرات تعدت العشرات. ومع ذلك وبالرغم منه، فإننا ما زلنا في حاجة لمجهودات جبارة تتجاوز نطاق الشكوى ومحاولات التشخيص والرصد إلى مبادرات أخرى ومشروعات جديدة وفعاليات لا تتوقف يمكن أن تكون خطوة على الطريق.
كتابات عديدة، ومبادرات عدة ازدحمت بها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، راوحت بين الاكتفاء باستدعاء بعض المأثورات والمقولات التي تمجد اللغة العربية وتتغنى بتاريخها وتراثها، وبين مبادرات تدعو إلى إعادة اكتشاف هذه اللغة، ونشر ثقافة القراءة والكتابة بعربية سليمة.
لكن يظل من بين هذه المبادرات والفعاليات إعادة اكتشاف نضارة وبهاء وجمال اللغة العربية، بموازاة البحث العميق عن خصائصها ووضعها في مجمل الثقافة العربية والفكر العربي، القديم والوسيط والحديث على السواء، من واقع دراسة أعلام أفذاذ نذروا حياتهم وجهودهم لخدمة اللغة والثقافة العربية، تأليفا وترجمة وتحقيقا، وغيرها من وجوه النشاط والإنتاج.
من بين هؤلاء المفكر وأستاذ الفلسفة الراحل زكي نجيب محمود، صاحب المؤلفات والترجمات الوافرة، وصاحب مشروع فكري كان عنوانه «تجديد الفكر العربي». احتلت اللغة العربية من هذا المشروع حيزا جوهريا، فلم يكن زكي نجيب محمود بالغافل عن دور اللغة في البنيان الفكري والثقافي للشعوب والمجتمعات الإنسانية.
ومن يراجع الجزء الثاني من سيرته الذاتية بعنوان «قصة عقل» (وكذلك في الجزء الثالث «حصاد السنين») سيجد من النصوص ما يدعم هذه الفكرة، خاصة أنه قد أعاد تقييم موقفه من التراث العربي والثقافة واللغة العربية، كليا، بعد أن قطع أشواطا كبيرة من عمره؛ يقول زكي نجيب محمود:
«وأخيرا من ذا الذي يُذكر له التراث العربي فلا تقفز إلى ذهنه أسماء لوامع كالجاحظ والمعري وابن سينا وابن رشد والغزالي وابن خلدون؟ ومعهم رجال من أمثال الحلاج وابن عربي، والذي قد لا تستحضره الأذهان في يسر، هو أننا إذا ما حللنا عيون التراث العربي في شتى ميادينه، وجدناها نسيجا متآلفا بين فكر عربي عقلي منطقي، ووجدان صوفي وشعري، حتي ليخيل للمتعقب أن اللغة العربية ذاتها قد ركبت تركيبا يحمل الجانبين معًا، فهي منطقية إلى حد بعيد إذا قيست إلى غيرها من اللغات، ثم هي مشحونة بشحنات وجدانية إلى حد بعيد كذلك».
في بحثه عن أبرز الخصائص الثقافية التي تجعل العربي «عربيا»، سواء كان قبل عروبته مصريا أم سودانيا أم عراقيا أم خليجيا، اعتبر زكي نجيب محمود أن أول خصائص العروبة «لغتها»، وبالتالي وبمنهجيته التحليلية التي أثرت عنه، حلل صاحب «تجديد الفكر العربي» وضعية اللغة العربية في الثقافة العربية باعتبارها أول وأهم خصائص «العروبة».
يشدد زكي نجيب محمود على أنه لا يكفيه، في هذا الجانب، أن تكون لغة الكلام والكتابة «عربية» فقط، فالأوروبي الدارس للغة العربية قد يتكلمها ويكتبها، ومع ذلك «لا ندرجه في العروبة ابنا من أبنائها»، وإنما المهم هنا هو اللفتات العقلية أو الإدراكية العميقة، التي تكمن في كيان العربي، فتميل به إلى اكتساب الصفات المتمثلة في اللغة العربية. ويدلل على ذلك، بأن الأجنبي الذي درس اللغة العربية إنما يتكلمها ويكتبها من السطح ـ إذا جاز هذا القول ـ وأما العربي فهو يتكلمها أو يكتبها من الجذور.
لكن ما هي الصفات المتمثلة في اللغة العربية التي إذا اكتسبها «المرء» صار «عربيا»؟
يوضح زكي نجيب محمود أن ما يقصده بالجذور تلك الصور الدفينة التي توشك أن تكون جزءًا من فطرة الإنسان التي منها تنبثق اللغة المعينة، فمن خصائص اللغة العربية ـ مثلا ـ أنك إذا عرفت الأصل الثلاثي عرفت كيف تفجر منه شجرة المشتقات على كثرة فروعها، فإذا عرفت كلمة «كتب» فجرتها بعد ذلك فأخرجت منها: «كاتب، كتابة، مكتوب….» إلخ إلخ، فهي على غرار القبيلة أو العشيرة العربية يتعدد أفرادها، لكن هؤلاء الأفراد جميعا ينتمون إلى رأس واحد.
وعلى هذا فإذا ما قلنا إن اللغة العربية هي أول خصائص العروبة، فإنما نقصد بذلك، إلى ما هو أعمق من مجرد عملية التفاهم بلغة معينة، وهو أن خصائص اللغة تكون هي نفسها خصائص أصحابها، ومعنى ذلك أن أبناء العروبة على امتداد الوطن العربي الكبير قد جاءوا في طرائق النظر، على غرار ما تتميز به لغتهم من صفات.
هذه الشذرات المتناثرة تغري الباحث بدراسة معمقة للتصورات النظرية عن اللغة العربية التي عرضها زكي نجيب محمود في كتاباته ومؤلفاته، لكنها وفي الوقت ذاته تغري أيضا بدراسة مقارنة للموضوع ذاته بين عدد من المفكرين والمثقفين العرب في القرن العشرين.
ولا يفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى كتاب بديع صغير الحجم ألفه الرائد العملاق عباس محمود العقاد اسمه «اللغة الشاعرة»، وهو بحث أصيل في جمال وعذوبة اللغة العربية وما تحمله من خصائص ذاتية، صوتا وتركيبا، جعلته يجزم بأنها «لغة شاعرة».
يقول العقاد إن اللغة العربية وصفت قديمًا وحديثًا بأنها لغة شعرية، وإن الذين يصفونها بهذه الصفة يقصدون بها أنها لغة يكثر فيها الشعر والشعراء، وإنها لغة مقبولة في السمع يستريح إليها السامع، كما يستريح إلى النظم المرتل والكلم الموزون، كما يقصدون بها أنها لغة يتلاقى فيها تعبير الحقيقة، وتعبير المجاز على نحو لا يعهد له نظير في سائر اللغات..
تستحق لغتنا العربية «الجميلة» أكثر من يوم واحد للاحتفاء بها في العالم العربي وغير العالم العربي.. ولتحيْ لغتنا الجميلة إلى أبد الآبدين.