نوافـذ .. الحيوانات المفترسة

عبدالله بن سالم الشعيلي –
Twitter:@ashouily –

تصادف وجودي في محل قرطاسيات أو ما يطلق عليه تجاوزا لفظ مكتبة عندما دخل ولد يطلب من صاحب المكتبة بحثا باللغة الانجليزية عن الحيوانات المتوحشة مكررا باللغة الانجليزية، شدني الموقف وصغر الطالب مقارنة بالموضوع المراد البحث عنه خصوصا أننا في قرية لم نر فيها حيوانات متوحشة إلا على شاشات التلفزيون فقط، فداخلني الفضول الصحفي لمعرفة تفاصيل هذا البحث فسألت الطالب: هل تعرف معنى العنوان فقط باللغة الانجليزية؟ فأجاب: أنا ليس لي ناقة ولا جمل في هذه الحيوانات ولا البحث عنها وإنما ولد آخر هو من أرسلني مع مبلغ البحث لشرائه من المكتبة، فسألته من جديد في أي صف ذلك الولد؟ فقال هو في الصف الثامن.
في أقل من دقيقتين كان البحث جاهزا ومنمقا ومطبوعا طباعة ملونة وبالصور فتسلمه الولد وطار بعيدا، فسألت صاحب المكتبة لماذا تقومون بعمل كهذا، أنتم تساهمون في إخراج جيل ضعيف في اللغة الانجليزية لا يعرف منها شيئا وحصيلته المعرفية ستكون صفرا بعملكم هذا، فأجاب: صدقني نحن نعلم لا الطالب يقرأ ولا الأستاذ يقرأ ونحن نقوم بخدمة الاثنين هنا مقابل أجر زهيد.
على الفور اتصلت بتربوي له علاقة بموضوع الافتراس فأبدى معرفته التامة بهذا الأسلوب المتبع في بعض المدارس لكنه قلل من أهميته من أن هذا البحث ليس سوى جزء بسيط من علامات متفرقة لن يحصل فيه الطالب على أكثر من خمس درجات فقط وباقي الدرجات موزعة على أنشطة واختبارات وعروض متقدمة غيرها، وقبل أن نعالج الضعف القرائي في اللغة الانجليزية علينا أولا معالجة هذا الضعف في لغتنا الأم وهي العربية التي لا يتقنها كثير من طلبة هذا الجيل، والأمر أولا وأخيرا ليس بتلك الجريمة، فهنالك في الحقل التربوي ما هو أفظع من ذلك وبدأ في سرد ما يعانيه التربويون في مدارسهم وقد لا يكون من المناسب ذكرها هنا في هذا المقال.
سأستعين ببعض مما قالته معالي الدكتورة وزيرة التعليم العالي في نقاشها الأخير أمام أعضاء مجلس الشورى عندما أوضحت « أن تكثيف تدريس اللغة الانجليزية من مسؤوليتنا، والوزارة مددتها لسنتين حتى نرفع مستوى الطلبة» أي أن فحوى كلام معالي الوزيرة يقول ان مخرجات التعليم العام بحاجة إلى إعادة تأهيل ولمدة سنتين قبل التحاقهم بمقررات التعليم العالي حتى يستطيع هؤلاء الطلبة الدراسة باللغة الانجليزية، ويعزز ذلك ارتفاع أرقام الطلبة الجدد ممن يلتحقون بدراسة اللغة الانجليزية قبل دخولهم للتخصصات الأكاديمية في جامعة السلطان قابوس، واعتقد أن الحال ربما يكون أسوأ في الجامعات الخاصة.
يقول المثل العربي «من شب على شيء شاب عليه» ولو استعرنا هذا المثل وأسقطناه على واقع اللغة الانجليزية وتدريسها في مدارس التعليم العام لوجدنا أن الطالب ينشأ على الاعتماد على الآخر في مساعدته في كثير من الأمور بدءا بحل الواجبات وانتهاء بكتابة البحوث والعروض، وهو عندما ينتقل إلى الدراسة الجامعية يحمل معه نفس السلوك، أن يبحث عن أقرب مخرج ينقذه ويساعده من ورطة البحوث والعروض، ولكن يمكن تعديل هذا السلوك منذ الصغر برفع مستوى تحصيل الطلاب في اللغة الانجليزية في مدارس التعليم العام بكثير من الحلول ربما التربويون هم أقدر مني على تشخيصها تبدأ من المدرس والمنهج والبيئة التدريسية والطالب والبيت والحصص الإضافية والتحبيب في اللغة وغيرها من الحلول التي يجب البدء فيها مبكرا حتى لا تكون اللغة الانجليزية بمثابة الحيوان المفترس للطالب الذي يفضل الهرب منه كي لا يقع فريسة له.