أمريكا لا تريد التورط في النزاع اليمني

د.فالح الحمراني –
كاتب من العراق يقيم في موسكو –
Sanini777@hotmail.com –

على الرغم من تعبير واشنطن عن ارتياحها لاعتراف قيادة التحالف العربي بقصف الموكب الجنائزي في صنعاء بالخطأ، تستبعد غالبية مراكز الرصد والتحليل في موسكو ان يصبح هذا مؤشرا على تغيير الولايات المتحدة لسياستها الراهنة في النزاع اليمني. ولا تدفع واشنطن نحو ذلك أيضا الصواريخ الإيرانية المحدثة التي تم إطلاقها على المدمرة الأمريكية لدى مرورها بالقرب من مضيق باب المندب أمام السواحل اليمنية . وهناك قناعات بأن واشنطن لن تترك من دون رد إطلاق الصواريخ الاستفزازية على سفن قواتها البحرية، ولكنها في الوقت نفسه لا تخطط لاستعمال القوات البرية.
وعلى حد اعتراف الجانب الأمريكي فان إطلاق النار على المدمرة التابعة لقوة السلاح البحري الأمريكي، كان اشارة من قبل الحوثيين لواشنطن باستعدادهم للمواجهة مع أطراف النزاع وان ثمة قوى ومنظمات إقليمية قد تقدم الدعم لهم .
ويتوقع الخبراء ان الموقف الأمريكي المشار اليه سيبعث الخيبة لدى دول التحالف العربي التي راهنت على ان الرد الامريكي سيكون بداية لتغيرات حادة في الموقف الأمريكي على خلفية تعرض المدمرة «ميسون» لإطلاق نار صاروخي. وعلى العكس فان الجانب الأمريكي شرع في الفترة الأخيرة بتقليص المساعدات الفنية التقنية واللوجستية للقوى التي تواجه الحوثيين. ويرى احد التقارير ان هذا يأتي كرد فعل على محاولة التحالف وضع الرهان حصرا على الحل العسكري لتسوية الأزمة اليمنية ،وقال: ان واشنطن تطلب بإصرار توظيف الجهود الأساسية المرتبطة باليمن نحو التسوية السلمية واستئناف العملية السياسية. وأشارت بعض المعطيات الى ان واشنطن واتصالا بذلك لا ترحب بالخطط الرامية للهجوم على صنعاء وتطوير العملية باتجاه محافظة صعدة. وتشير بذلك الى ان البنتاجون قيم بتحفظ شديد تحرك قوات التحالف في 11 اكتوبر الماضي ، بهذا الاتجاه، والتي اعلنت في وقتها السيطرة على المعبر الرئيسي للمدينة الذي يمر من خلاله الطريق الذي يربط اليمن بالمملكة العربية السعودية . ومرت من خلاله ايضا عمليات تهريب البشر والبضائع. واستهدفت تلك العملية حرمان الحوثيين من عوائد عمليات التهريب تلك التي جمعوها عند ذلك المعبر.
وتقوم حسابات واضعي الاستراتيجية في البنتاجون وجهاز المخابرات المركزية الأمريكية إزاء التكتيك اللاحق، بالدرجة الاولى على الانطلاق من استحالة تدخل اجهزة القوة الامريكية في الشأن الداخلي للنزاع في اليمن وليس فقط على نطاق شامل وانما حتى على مستوى التدخل في افغانستان او في العراق. وفي ضوء ذلك فإنه ومع دعم الولايات المتحدة لتحرك التحالف العربي والاعتراف بحكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي ، فإنها لن تقوم بأي تحرك عملي لدعم هذا أو ذاك عن طريق التجهيزات الفنية/‏‏‏ المادية.وحرصت واشنطن ان تصدر بيانات تطيمنية اكدت ان القصف الامريكي ليس تمهيدا لحملة جديدة وليس مشاركة بأي شكل في النزاع الطائفي وهدفه فقط حماية القوات الامريكية وان واشنطن لا تسعى الى دور اكبر في النزاع.
ويربط المراقبون هذا الموقف بالتغيرات التي تجريها الولايات المتحدة على سياسيتها ازاء منطقة الشرق الاوسط واعادة هيكلة الاولويات والاصدقاء، ومن بين المؤشرات على ذلك ان واشنطن بدأت تتعامل بانتقائية اكثر في مسألة تجهيز هذه القوة او تلك بالأسلحة. وتضع الولايات المتحدة الامريكية في مقدمة أولوياتها في اليمن محاربة تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية.
وترصد بعض التقارير ان هناك مؤشرات على ان واشنطن بصدد دعم القوى الداعية الى اعادة تقسيم اليمن بين الشمال والجنوب فضلا عن ان الجانب الامريكي يتوقع بان الوضع الاقتصادي والاجتماعي سيتدهور اكثر بشكل شديد . على الرغم من ان المملكة العربية السعودية تبذل المحاولات المستمرة والجادة لإحياء البنك المركزي الذي بدأ يعمل مؤخرا من مدينة عدن بمرسوم من الرئيس هادي. كما ان الرياض وافقت على تمويل مشاريع كبيرة تخص البنى التحتية للبلاد ولاسيما في مدينة حضرموت شرق اليمن .
وبالتالي يجمع المراقبون على ان الولايات المتحدة لا تخطط في المستقبل المنظور الى ان يكون لها دور في اليمن ، حتى في حال استمرار تعرض سفنها لإطلاق نار استفزازي أحيانا من قبل الحوثيين ومحاولات جر واشنطن في نزاع إقليمي جديد، وان كانت قد حذرت بشدة من تكرار مثل هذه الاستفزازات . علاوة على ذلك فانه وفي ظل تشكل ظروف ملائمة فإن واشنطن قد تغمض العيون على ميل بعض الأطراف الى السير نحو عملية تقسيم البلاد ، وفق الحدود التي قامت قبل الإعلان عن الوحدة اليمنية إذا رأت ان ذلك قد يصب في مصالحها بشكل او بآخر، وهو ما تعارضه أطراف عدة . وبالرغم من ان ذلك يظل احتمالا غير منظور حتى الآن على الاقل ، الا ان ذلك التحليل الجاد الذي وضعه جهاز المخابرات المركزية الأمريكية مؤخرا والذي تضمن تقييمات جديدة للتطورات في اليمن، ومواقف جديدة من القوى الفاعلة والإقليمية الناشطة هناك ، وهو يميل الى هذا التوجه ، الذي تعارضه الأطراف اليمنية والاقليمية المختلفة ايضا ، باعتبار ان الحفاظ على وحدة اليمن يشكل نقطة التقاء بين مختلف الاطراف ، بما في ذلك مخرجات الحوار الوطني اليمنية المعروفة . ولعل ذلك هو من بين الاسباب التي تثير مخاوف البعض حيال المستقبل .