من منا لا يحمل بطاقة « فيزا » ؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

هل هناك ضرورة لأن تشحن جيبك بالنقود؛ لتغري المتلصص لكي يقتفي أثرك؟ لماذا أنت مسافر ولا تحمل عملة نقدية لتسهيل علاقة بطرف يحتاج الى نقودك؟ أين أنت من أصحاب الملايين؛ وحقائبك خالية من النقود؟
كيف لك أن تدخل محلا بهذا الحجم؛ وليس في يديك عملة نقدية؟ أراك تدفع بعربة مملوءة بما لذا وطاب؛ ومحفظتك تركتها في مركبتك كما أذكر، الى أين أنت مسافر؛ وغدا هناك تجمع للتبرع لمشروعنا الذي تعرف، كيف استوفيت حقك من فلان؛ وتبعدك عنه آلاف الكيلو مترات؛ كما أعرف؟ أظنك الآن تقاوم غريزة الشراء؛ حيث انك لا تحمل إلا نقدا قليلا؛ أليس كذلك؟ عندما تكون خارج بلدك الذي تقيم فيه، وداهمتك أزمة مالية لسبب ما؛ كيف ستواجهها؛ وليس لديك لا صديق ولا رفيق؟
تضعنا هذه المقدمة التساؤلية امام لغز، لم يعد محيرا أبدا، فالقيمة النقدية للأنظمة الحديثة التي نتعامل معها اليوم، ومن أمثلتها الـ « Visa Card» وغدا مرشحة للتطور أكثر، تحولت من قيمة تقليدية، مبدأها ومنتهاها النقود التي نحملها بين أيدينا، ونملأ بها جيوبنا، وربما نتفاخر بها، حيث هذه الجيوب المنتفخة المعبرة عن مكانة برجوازية «كبيرة»، الى قيمة كونية تمثلها رموز – أحرف او أرقام – تحتويها أية بطاقة ائتمان صادرة من أحد المصارف الكونية المنتشرة عبر بقاع العالم، فالمصرف الذي تتعامل معه، ليس مربوطا ببلدك الذي تقيم فيه، بل يذهب معك الى كل بقاع العالم بلا استثناء، يقينا لا يذهب معك بكامل موظفيه وهيكل بنائه الضخم، وإنما يذهب معك برمزية الكترونية لا تتعدى أربعة حروف في أغلب الأحوال، وهي الحروف التي تكون رقمك السري في هذا المصرف، أو ذاك، من خلال بطاقة سميكة يمكنك أن تخفيها في أي مكان لديك تأمن أنها لن يطولها أحد، في أغلب الأحيان، حتى يمكنك أن تضعها في جراب حذائك الذي تلبسه، من فرط صغرها وخفتها المادية المباشرة، وإن كانت هي في الحقيقة تحمل لك عشرات الآلاف، او الملايين عند البعض الآخر، ومع صغر حجمها هذا، إلا انها تكسبك الأمان والاطمئنان، وتشعرك بالفخر، وتضع أمامك كل الخيارات التي تريد، بدءا من تذكرة الطائرة، في حالة السفر، الى الفندق الذي تنوي الإقامة فيه بدرجاته المختلفة، وصولا الى الأسواق صغيرها وكبيرها.
اليوم؛ اكثر من أي وقت مضى، نرى أنه ليست ثمة ضرورة لأن نحمل في جيوبنا كمية كبيرة من النقود، فأينما نوجه قبلتنا لأي منفذ للشراء ليس علينا إلا ان نوجد حوارا صامتا بيننا وبين آلة السحب في أي فرع من فروع المصرف الذي نتعامل معه، وقد نستغني في حالات كثيرة حتى عن هذه الآلة الصغيرة التي نقف امامها طوابير في بعض الأحيان، فأي مركز تجاري اليوم يستقبل منك قيمة مشترياتك منه واستيفاء الحق الذي عليك من خلال «بطاقة» الصراف الآلي التي تحملها، سواء كبر هذا المبلغ ليصل الى مئات آلاف الريالات، او صغر الى حد «الريال الواحد»، وهذا السلوك حاضر هنا في بلدك المقيم فيه حاليا، او في أي بلد من بلدان العالم، فالمظلة الكونية للائتمان على نقودك التي تحملها في هذه البطاقة مفعولها سار أينما كنت في أي بقعة على وجه الأرض، وبمعنى آخر؛ أنت لست مجبورا على حمل نقود قد توقعك في مشاكل أنت في غنى عنها، خاصة عندما تكون خارج بلدك، ولذلك تساقطت مجموعة الأخطار المحدقة بالذين كانوا يحملون نقودا في جيوبهم في الأزمان الغابرة، وإن كانت بهرجة النقود ذاتها التي كان يتفاخر بها من يحملها قد اختفت الى حد كبير، فاليوم الذي يحمل بطاقة ائتمان قيمتها الإسمية عشرات الآلاف في جيبه من أي نقد كان يظل غير معروف إطلاقا، بينما الذي يحمل مائة ريال نقدية مباشرة – على سبيل المثال – يمكن أن يشار إليه بالبنان، ويرتهن على قدراته المادية، وقد تعلي من مكانته الوجاهية في لحظته تلك.
ووفق هذا السياق؛ هل يمكن القول بتضاؤل القيمة النقدية المباشرة او المحمولة، كمحور من محاور الافتتان، او البهرجة، هل لم يعد الناس يهمهم كثيرا أن يحملوا المئات من القيم الاسمية، أو الآلاف في جيوبهم كما كان الأمر في السابق، وفي المقابل؛ يقينا؛ ستختفي المظاهر السلوكية التي تعكسها المادة المحمولة في الجيوب، وستخف حالات «البطر» عند كثير من الناس الذين كانت تستهويهم مثل هذه المظاهر، وكانوا يقتاتون من خلالها على تعاطف البعض لتضخيم الوجاهات، وزيادة وزن المكانات الاجتماعية، فالاعتقاد السائد الآن أن لا يحمل الناس نقودا في جيبوهم الا نادرا، وإن دخل أحد في الاستثناء، فذلك لضرورة ملحة، ولذلك هناك أناس كثيرون يسافرون اليوم، وليس في جيبهم عملة نقدية واحدة، فكل الالتزامات المتوقعة في البلد المضيف، قد سددت سلفا قبل السفر، عبر الوسائل الالكترونية، كل ذلك يحدث عبر بطاقات الائتمان المتعددة الأسماء والأشكال، وتمثلها واجهة الـ « Visa Card» أو غيرها من المسميات المعروفة، كمحدد كوني في أي بقعة من بقاع العالم، ولذلك يجهد اللصوص الإلكترونيون اليوم، ليس فقط في اختراق حسابات الأفراد، وهي أقلها صعوبة، وإنما في اختراق حسابات المصارف الكبيرة، وهي أكثرها صعوبة من ناحية تعقيد كلمات السر التي تستخدمها، ومع ذلك يتجاوز ذكاء الإنسان، في بعض الأحيان؛ ذكاء الآلة، فيتم الاختراق، ويتم تحويل ملايين النقود من حسابات عملاء هذه المصارف، وبذلك أيضا خفت سطوت اللصوص التقليديين الذين يداهمون المصارف وهم يحملون بنادقهم الآلية لإجبار العاملين في المصارف الى تسليم ما بحوزتهم من مدخرات في خزائن هذه المصارف، ولذلك تعيش هذه المصارف حالات من الاستنفار الدائمة، ولا شك أن العاملين فيها يعيشون حالات من القلق والترقب، والمداهمات غير المتوقعة، ومع ذلك تتسابق المصارف النقدية على الاستحواذ على مدخرات الزبائن، وتضع لذلك الجوائز النقدية والعينية، وزيادة الأرصدة في بعض الأنظمة، ففي ذلك زيادة في القيمة الاسمية للمصرف، وفي ذلك المكانة والأهمية لذات المصرف ليس فقط في محيطه المحلي، ولكن على مستوى العالم الذي يعيش نفس إرهاصات هذه التوازنات المصرفية، ولذلك فعندما تنتمي أو تضع مدخراتك المادية في مصرف ما مشهود له بهذه المكانة الإسمية، فأنت في مأمن الحصول على نقودك في أي بقعة من بقاع العالم، فالفروع المنتشرة لهذا المصرف المشهور تسهل لك إجراء معاملاتك المصرفية في أية دولة تكون فيها، ولن تأخذ منك أية معاملة كانت إلا دقائق محدودة، وأنت في بيئة آمنة مطمئنة؛ مستمتعا بسفرك، وسعيدا بجولاتك وصولاتك.
إن الضمانات الدولية للنقود عبر بطاقات الائتمان المختلفة، تمثل بلا شك؛ مظلة أممية كونية لم يسبق لها مثيل عبر التاريخ الذي مر، وهي بهذا الواقع اليوم فجميع الأفراد، بلا استثناء، غير مجبورين على حمل أوراقهم النقدية في جيوبهم أينما يمموا وجهتهم نحو المشرق او المغرب، ولن يسأل أي فرد اليوم سؤال: دينك واجب السداد، فأين أنت؟ ولن يتساءل آخر: أنا واقع في مشكلة، كيف لك أن تسعفني، وتفصلني عنك آلاف الكيلومترات؟ وغيرها من الأسئلة الحائرة في لحظة وقوع أية مشكلة لأي فرد في أية بقعة من بقاع العالم، وعندما نقرأ اليوم مجموعة الاحتيالات التي يعمد إليها البعض، وخاصة أولئك الذين تضمهم قائمة الأصدقاء في موقع التواصل الاجتماعي، حيث يطرح البعض منهم مشكلته وتورطه، وأنه يحتاج الى من يسعفه بالمادة، ندرك أنها حيل مكشوفة، لأن كثيرا من هؤلاء يتسترون تحت أسماء شخصيات عامة معروفة، ولها مكانتها في المجتمع الذي تنتمي اليه، ولا يقبل أساسا أن تستجدي هذه الشخصيات، على مكانتها الاجتماعية، من مجموعات الـ «فيسبوك» أو الـ «تويتر» لتقضي لها حاجتها في مثل هذه المواقف، هو نوع من الاستغباء المكشوف، ولن تنطلي هذه الاحتيالات على عاقل، وبهذه البساطة المتناهية.
يمكن؛ في ختام هذا الموضوع ؛ طرح سؤال عن تأثير هذه النقلة في مفهوم التعامل النقدي، على مستوى «الشراهة الشرائية» غير المتوازنة عند البعض، بين الحاجة والاسراف، فهناك عدد غير قليل عندهم حمى شرائية غير عادية، يشترون كل شيء لا لشيء، ولكن لإرضاء غريزتهم الشرائية فقط، حيث تنتفض النقود بين أيديهم فتقع صرعى في يد البائع، فهل الحال يظل كذلك في وجود بطاقات الصرف الآلي؟ ذلك يظل سؤالا مفتوحا لمن يريد أن يضيف.