الإسكندرية سراب

يوسف القعيد –

لهذا الكتاب قصة تبدأ من كلمة: ترجم. وترجم مشروع أطلقته مؤسسة محمد بن راشد المكتوم. وهدفها المساهمة في تجاوز التأخر الثقافي الذي تعيشه المجتمعات العربية. ومد أواصر الحوار مع الثقافات العالمية، مؤمنة ومقتنعة بأن الترجمة جسر بين الثقافات. وأحد أهم أسس الحوار وتجاوز سوء الفهم.
وفي هذا السياق يتم تقديم مجموعة ترجمات لعشرات من الكتب الألمانية التي لا تزال مجهولة الثقافة العربية على أحسن صورة. سواء على مستوى الترجمة أو على مستوى التدقيق اللغوي والمراجعة. إن اتحاد ديوان شرق غرب الذي يعمل منذ سنوات على إيجاد حوار حقيقي بين الثقافة الألمانية بامتدادها الأوروبي والثقافة العربية يعتبر أن التبادل الثقافي جزء لا يتجزأ من مشروع التنمية البشرية، ومشروع خلق إنسانية فوق الأعراض والأحقاد. ويطمح المشروع الحالي إلى نقل مجموعة من روائع الأدب والفكر الألماني إلى اللغة العربية.
والاتفاق بين مؤسسة محمد بن راشد المكتوم واتحاد شرق – غرب، يمتد إلى تنظيم لقاءات وحوارات ونشاطات ثقافية وفنية، بحيث يكون الحوار حواراً بين ثقافتين وبالاتجاهين. وتكون الترجمة جزءاً من هذا العمل الكبير.
الإسكندرية سراب كتاب من هذا المشروع. ألفه يوآخيم سارتوريوس، وترجمه: فارس يواكيم، وحرره: الدكتور خزعل الماجدي. وهو كتاب عن الإسكندرية. تتصدره عبارة ابن دقماق:
– إذا الإنسان طاف حول الإسكندرية في الصباح. فالأقدار سوف تصنع له تاجاً ذهبياً مرصعاً باللآلئ، ومعطراً بالمسك والكافور، يشع الضوء شرقاً وغرباً.
تليه عبارة مأخوذة من فيلم: حدوتة مصرية، ليوسف شاهين. والذي يعود تاريخ إنتاجه إلى سنة 1982:
– يحيى: بالنسبة لنا إسكندرية كان فيها أجناس وأديان كتير قوي.
ترد عليه آمال:
– إسكندرية دي كان زمان.
أما مؤلف الكتاب يواخيم سارتوريوس، فهو شاعر ألماني ومدير مهرجانات برلين، ولد في 19 مارس 1946، يحمل شهادة الدكتوراه في القانون، لكنه بدأ حياته المهنية كدبلوماسي على غرار أبيه، أقام في تونس ونيويورك واسطنبول ونيقوسيا، وعمل لفترة مديراً لمعاهد جوته. من أبرز شعراء ألمانيا المعاصرين، نشرت له 4 مجموعات شعرية.
كما ترجم من الشعر الأمريكي والفرنسي واستحق جوائز. له دراسات في الشعر منها: أطلس الشعر الجديد. كما لعب دوراً في مد الجسور بين الثقافتين الألمانية والعربية سواء من موقعه كمدير لمهرجانات برلين، أم عبر مساهمته في مجلة ديوان.
المترجم فارس يواكيم، كاتب مسرح وصحافي وباحث لبناني، ولد في الإسكندرية عام 1945، تخرج في المعهد العالي للسينما بالقاهرة 1966، قدم عدداً من المسرحيات، ومن أعماله التليفزيونية: المشوار الطويل، ومساهمته في كتابة حلقات من: افتح يا سمسم. يجيد العربية والفرنسية والألمانية والإنجليزية. ولديه إلمام جيد بالإيطالية.
في مقدمة الكتاب يكتب صاحب الكتاب:
– في 26 يونيو 1956، ألقى جمال عبد الناصر خطاباً في الإسكندرية، رنت فيه نهاية المدينة الأولى في شرق البحر الأبيض المتوسط. وأوضح أمام ربع مليون مصري متحمس أن الاستقلال الاقتصادي لبلاده ضروري تماماً، مثلما الاستقلال السياسي. وبأسلوبه الخاص به أعلن تأميم الشركة العالمية لقناة السويس، وجاء العدوان البريطاني الإسرائيلي الفرنسي رداً على ذلك. فكان من نتائجه هجرة البريطانيين والفرنسيين من الإسكندرية.
بعد ذلك قام عبد الناصر بتأميم الصناعة على مراحل، هاجر يونانيون وأرمن ومن كان في المدينة من إيطاليين. ولمرتين على امتداد التاريخ الطويل أعرض الفاتحون عن الإسكندرية مما أدى إلى تراجع المدينة. ويصف الكاتب عودته إلى الإسكندرية سنة 1960، كان قد طرأ تغيير على المجتمع السكندري.
ويكتب:
– كنت أتوق الذهاب إلى مصر، وطلبت حجز غرفة في فندق سيسل بالإسكندرية. ووراء الرغبة في زيارة الإسكندرية كانت هناك أساب عدة: كانت المدينة الأكثر إشعاعاً في العالم القديم، ضمت المكتبة الأكبر في التاريخ. الإسكندرية هي مدينة كونستنيوس كفافيس، ذلك الشاعر اليوناني الذي كتب أشعاراً أحدثت ثورة في الشعر الحديث، أكثر من قصائد تي إس إليوت، أو سان جون بيرس.
أما فندق سيسيل فاستهواني لسبب عاطفي. كان في ثلاثينيات القرن العشرين الفندق الأول في المنطقة. شيد على الكورنيس مباشرة، يطل على البحر، ومنه ترى حي رأس التين. والمنارة الشهيرة التي لم تعد موجودة، إحدى عجائب الدنيا السبع. وكان لورانس داريل، الرائع وصف سيسيل مراراً في كتابه: رباعية الإسكندرية.
يكمل المؤلف:
– سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار. ونقلني تاكسي من المحطة إلى سيسيل. وجدته مطابقاً للصورة التي رسمتها في خيالي له من خلال قراءاتي. كان البهو فسيحاً مليئاً بالنخيل، نسجت أسراب الذباب في الهواء نسقاً واضحاً، تتوالى فيه التشنجات ثم لحظات السكون في دائرة منتظمة. كانت الغرفة فسيحة.
كانت المدينة كبيرة ومتهالكة لم يبق فيها شيء من الماضي. لم تعد الأشياء المذهلة موجودة. فصرفت النظر تماماً عن عامود بومبي في المتحف الروماني. لفت نظري بالدرجة الأولى مومياء تمساح على سرير خشبى خيالي مقاوم للتلف. كان البحث عن أماكن كفافيس شاقاً. لأن المصريين على مر التاريخ بدلوا أسماء الشوارع مراراً. ثم بدلوها مرة أخرى عندما تولى عبد الناصر السلطة. ثم بدلوها مجدداً بعد رحيل عبد الناصر.
اليوم أصبحت أسطورة الإسكندرية أدبية بالدرجة الأولى. أصبحت المكتبة القديمة آخر ملامح الأسطورة الرومانتيكية فردوساً مفقوداً. تقوم دعامة هذه الأسطورة على الأدباء أكثر من المؤرخين وعلماء الآثار. إي إم فورستر، ولورانس داريل وإدوار الخراط وأندريه أسيمان.
كان بوسع المهتمين بالآداب من أهل الإسكندرية في أربعينيات وخمسينات القرن العشرين أن يتعرفوا مجدداً عبر قصائد كفافيس على مدينتهم كإبداع فريد رائع عميق الجذور في الزمان. صورة طبق الأصل لمدينة المدائن. معادلة لأثينا، ثم متفوقة عليها.
واستناداً إلى الكتاب العرب والإنجليز واليونانيين والإيطاليين الذين كتبوا عن الإسكندرية، والذين نشرنا أشعارهم في هذا الكتاب، كان على سكان الإسكندرية أن يشعروا بأنفسهم. من دون أن يطالبوا بشواهد تاريخية.
ثم يقول عن كتابه:
– المهم أن القسم الأول منه يجمع شهادات من عصر الازدهار الثاني الكبير للإسكندرية من فلوبير إلى كفافيس. ومن جيت إلى أسيمان، قصائد، مقالات رحالة، رسائل، سير ذاتية، نصوص. وفي القسم الثاني يقدم نموذجاً لحيوية هذه الأسطورة وتألقها. الأسطورة التي ظلت بوضوح تام حتى يومنا هذا.
القسم الثالث يحاول أن يضيء بشكل شديد الدلالة على العصر الهليني وحقبة البطالسة استناداً إلى نصوص شعراء المكتبة العظمة. وخلاصات الروايات والرسائل الخاصة وتقارير الرحالة الكبار. يلي ذلك نصوص الرحالة ابن جوبير، وشاتوبريان.
تقرأ في الكتاب:
– هذه الإسكندرية التي دامت عبر الأدب، لا تحكي لنا سوى القليل عن مصر. لكنها تطلعنا على وجه آخر من وجوه عالمنا نحن الغربي. وجه أمسى مدينة مثالية بفضل حفنة من الكتاب خلدوها بأجمل الكلمات – أم تراهم شوهوها – بل إن ذاكرة سكانها أيضاً تقلبت على مراحل ذلك العالم المستعاد بناؤه شعرياً.