خوليو كورتاثار: الأدب لعبة منحتها حياتي «1-2»

865546حوار: جيسون وايس –
ترجمة: أحمد شافعي –

عندما توفي خوليو كورتاثار بالسرطان في فبراير سنة 1984 عن تسعة وستين عاما وصفته صحيفة إل باييس التي تصدر من مدريد بأنه أحد أعظم كتاب أمريكا اللاتينية، وخصَّصت له على مدار يومين إحدى عشرة صفحة كاملة من الشهادات والذكريات والوداعات.
برغم أن كورتاثار كان يعيش في باريس منذ عام 1951، فقد كان يزور بلده الأصلي الأرجنتين بانتظام إلى أن نفي منه رسميا في مطلع السبعينات بقرار من مجلس الحكم الأرجنتيني الذي اعترض على العديد من أعماله. وبانتصار حكومة ألفونيسن المنتخبة ديمقراطيا في الخريف الماضي أمكن كورتاثار أن يزور وطنه زيارة أخيرة. ورأى وزير الثقافة في حكومة ألفونسين ألا يرحب به رسميا، تخوفا من آرائه السياسية المغالية في جنوحها إلى اليسار، ولكن الكاتب لقي برغم ذلك ترحابا برجوعه رجوع البطل القومي. فذات ليلة في بيونس أيرس، بعد مشاهدة فيلم في السينما مأخوذ عن رواية «No habra ni mas pena ni olvido» لـ أوسفالدو سوريانو، صادف كورتاثار وأصدقاؤه مظاهرة طلابية تتجه نحوهم فاختل انتظامها بمجرد أن وقعت أنظار المشاركين فيها على الكاتب فتحلقوا حوله. كانت متاجر الكتب لم تزل مفتوحة في الشارع فسارع الطلبة يشترون نسخا من كتب كورتاثار ليوقِّعها لهم. واعتذر صاحب أحد الأكشاك ـ وقد نفدت منه نسخ أعمال كورتاثار ـ وهو يقدم للكاتب نسخة من رواية لكارلوس فوينتس كي يوقعها له.

ولد كورتاثار في بروكسل سنة 1914. ولما رجعت أسرته إلى الأرجنتين بعد الحرب، نشأ في بانفيلد غير بعيد من بيونس أيرس. حصل على درجة جامعية في التدريس وسافر للعمل في بلدة بمقاطعة بيونس أيرس حتى مطلع الأربعينات، ممارسا الكتابة لنفسه على الهامش. من أوائل قصصه «المنزل المسلوب»، وقد رآها في أحد أحلام ونشرت في مجلة كان يرأس تحريرها خورخي لويس بورخيس. ولكن كورتاثار لم يبدأ في النشر الجاد إلا بعدما انتقل إلى باريس سنة 1951. في باريس عمل مترجما ومترجما فوريا في اليونسكو ومنظمات أخرى. وكان من الكتَّاب الذي ترجمهم [إدجار آلن] بو و[دانيال] ديفو، ومارجريت يورسنار. وفي سنة 1963 أصدر روايته الثانية «لعبة الحجلة» ـ عن بحث وجودي ميتافيزيقي يعيشه أرجنتينيٌّ في حياة الليل بباريس وبوينس أيرس ـ فحققت له اسمه الأدبي بحق.
وبرغم أن شهرته الحقيقية تقوم على كونه أحد سادة القصة القصيرة المحدثين، فقد أظهرت روايات كورتاثار الأربع قدرة ناضجة على الإبداع في الشكل، والبحث في الآن نفسه في الأسئلة الأساسية المتعلقة بالإنسان في المجتمع. ومنها «الفائزون» (1960) و«62: A Model Kit» (1968) المستلهمة جزئيا من تجربته كمترجم فوري و«الدليل الإرشادي إلى استعمال الأدلة الإرشادية» (1973) عن اختطاف دبلوماسي من أمريكا اللاتينية. لكن قصص كورتاثار هي التي أشارت بصورة مباشرة إلى ولعه بالفنتازيا. تحولت أشهر قصصه إلى فيلم لأنطونيوني حمل عنوان القصة نفسه وهو «Blow-Up». وظهرت له خمس مجاميع قصصية بالإنجليزية حتى اليوم، أحدثها هي «كم أحببنا جليندا». وقبيل وفاته صدر له كتاب يوميات رحلات بعنوان «Los autonautas de la cosmopista» كان قد تعاون على كتابته مع زوجته كارول دانلوب أثناء رحلة قاما بها في شاحنة من باريس إلى مارسيليا. صدر الكتاب باللغتين الأسبانية والفرنسية معا، وتنازل كورتاثار عن جميع حقوق الكاتب وعائدات الكتاب لحكومة ساندينستا في نيكاراجوا، وأصبح الكتاب منذ ذلك الحين من أكثر الكتب رواجا. كما نشر له بعد وفاته كتابا مقالات عن نيكاراجوا والأرجنتين.
على مدار سنوات اغترابه في باريس، عاش كورتاثار في العديد من الأحياء. وفي العقد الأخير توافر له من عوائد كتبه ما اشترى به شقته التي تقع في أعلى عمارة في حي تكثر فيه محلات البيع بالجملة وسلاسل المحلات ولعله الحي الذي تدور فيه إحدى قصصه، والشقة واسعة برغم امتلائها بالكتب واصطفاف لوحات الأصدقاء على جدرانها.
كان كورتاثار طويل القامة، يتجاوز طوله 194 سم تقريبا، وأكثر نحولا مما توحي صورته. وكانت الشهور السابقة على إجراء هذا الحوار عصيبة عليه، بسبب وفاة زوجته كارول التي تصغره بثلاثين سنة بالسرطان، فضلا عن أن رحلاته الكثيرة لا سيما في أمريكا اللاتينية قد تسببت له في إنهاك واضح. وكان قد رجع قبل أسبوع واحد إلى بيته واستراح أخيرا في مقعده الأثير مدخنا الغليون بينما نتكلم.
• في بعض قصص كتابك الأحدث، ينتهك الفنتازي العالم الواقعي على نحو غير مسبوق لديك. هل شعرت بصفة شخصية أن الفنتازي والواقعي يمتزجان في واحد؟
ـ نعم، أشعر في القصص الأخيرة أن المسافة بين ما نسميه الفنتازي وما نسميه الواقعي صارت أقل. في قصصي الأقدم، كانت المسافة أكبر، لأن الفنتازي كان فنتازيًّا بحق، ولعله كان يلامس الخرافي في بعض الأحيان. والفنتازي بطبيعة الحال يشهد بعض التحولات، والتغيرات. ففكرة الفنتازي التي تتكون لدينا من قراءة روايات الحقبة القوطية في روايات إنجلترا على سبيل المثال منقطعة الصلة تماما بفكرة الفنتازي اليوم. نحن اليوم نضحك حينما نقرأ «قلعة أوترانتو» لهوراس وولبول ـ حيث الأشباح مسربلة بالأبيض والهياكل العظمية تتحرك جارَّةً سلاسلها من ورائها في جلبة. فكرتي اليوم عن الفنتازي أقرب إلى ما نسميه الواقع. ربما لأن الواقع يقترب أكثر فأكثر من الفنتازي.
• انقضى كثير من وقتك في السنين الأخيرة في دعم العديد من كفاحات التحرر في أمريكا اللاتينية. ألم يساعد ذلك على تقريب الواقعي والفنتازي بالنسبة لك، وجعلك أميل إلى الجد؟
ـ الحقيقة أنني لا أحب فكرة «الجدية» لأنني لا أرى نفسي جادا، أو أنني لست كذلك على الأقل بالمعنى الذي نقصده حينما نتكلم عن الرجل الجاد أو المرأة الجادة. لكن جهودي في السنوات الأخير في ما يتعلق ببعض أنظمة الحكم في أمريكا اللاتينية ـ في الأرجنتين، وأورجواي، ونيكاراجوا حاليا في المقام الأول ـ قد استولت عليَّ إلى حد أن صرت أستعمل الفنتازي في بعض القصص للتعامل مع هذا الموضوع تعاملا شديد الاقتراب من الواقع في رأيي. أي أنني صرت أقل حرية من ذي قبل. أعني أنني قبل ثلاثين سنة كنت أكتب ما يخطر لي من أشياء وأحكم عليها وفق المعايير الجمالية وحدها. الآن، برغم أنني لم أزل أحكم وفقا للمعايير الجمالية، لأنني كاتب قبل أي شيء آخر، فأنا الآن كاتب معذَّب، مشغول للغاية بالوضع في أمريكا اللاتينية، وعليه فإن ذلك غالبا ما ينسرب إلى كتابتي بوعي أو بلاوعي. لكن برغم القصص ذات الإشارات الأيديولوجية أو الأسئلة السياسية المحددة، لم تتغير قصصي. فهي لا تزال قصص فنتازيا.
مشكلة الكاتب الملتزم an engagé writer حسبما يسمونه الآن هي أن يستمر في كونه كاتبا. لو أن ما يكتبه أدب ذو مضمون سياسي، فقد يكون شديد التواضع. وهذا ما حدث لكثير من الكتاب. فالمشكلة من ثم مشكلة توازن. بالنسبة لي ينبغي أن يظل ما أفعله أدبا، من أرفع ما أستطيع، بل بما يتجاوز الممكن. مع محاولتي في الوقت نفسه أن أضعه في واقع معاصر. وهذا توازن شديد الصعوبة. في قصة من مجموعة Deshoras عن الجرذان ـ وهي قصة عن الكفاح ضد عصابات الأرجنتين المسلحة ـ كانت الغواية تتمثل في الالتزام بالمستوى السياسي وحده.
• كيف كان رد الفعل على هذه القصص؟ هل اختلف رد الفعل الذي وصل إليك من أهل الأدب عن الذي وصل إليك من أهل السياسة؟
ـ طبعا. القراء البورجوازيون في أمريكا اللاتينية ممن لا يكترثون بالسياسة، أو الذين ينحازون لليمين، لا يعنون بالمشكلات التي أعنى بها، مشكلات الاستغلال والقمع وما إلى ذلك. هؤلاء يأسفون دائما من اتخاذ كتبي منحى سياسيا. ومن القراء آخرون، هم شباب في الغالب ـ يشتركون معي في مشاعري وحاجتي إلى النضال وحبهم للأدب ـ يحبون هذه القصص. الكوبيون يستطيبون قصة «لقاء». و«القيامة في سولنتينيم» Apocalypse at Solentiname قصة لا يكف أبناء نيكاراجوا عن قراءتها والاستمتاع بها.
• ما الذي كان وراء ازدياد تورطك السياسي؟
ـ العسكر في أمريكا اللاتينية ـ هم الذين جعلوني أعمل بمزيد من الجد. لو كان قد أطيح بهم، لو حدث تغيير، لأمكنني أن أستريح قليلا وأعمل على قصائد وقصص تكون أدبية فقط. ولكنهم الذين قدموا لي ما أعمل عليه.
• قلت مرارا إن الأدب بالنسبة لك لعبة. كيف؟
ـ الأدب بالنسبة لي ضرب من اللعب. لكنني أعرف دائما أن هناك ضربين من اللعب: كرة القدم على سبيل المثال وهي لعبة واضحة، والألعاب العميقة الجادة. الأطفال حينما يلعبون، وبرغم أنهم يسلون أنفسهم، يكونون في منتهى الجدية. الأمر مهم. الأمر جاد بالنسبة لهم جدية الحب لهم بعد عشر سنين. أتذكر وأنا طفل صغير حينما كان يأتي أحد أبوي ليقول «خلاص، لقد لعبت بما فيه الكفاية، تعال لتستحم»، أن ذلك القول كان يبدو لي في غاية الحماقة، لأن الاستحمام بالنسبة لي كان أمرا سخيفا. لم تكن له أهمية من أي نوع، أما اللعب مع أصحابي فكان شيئا جادا. الأدب هكذا، هو لعبة، ولكنها لعبة قد يمنحها المرء حياته. قد يفعل المرء من أجل هذه اللعبة أي شيء.
• متى بدأ اهتمامك بالفنتازي؟ هل كنت صغيرا جدا؟
ـ بدأ في طفولتي. كان أغلب زملائي في المدرسة لا يفهمون الفنتازيا. كانوا يتعاملون مع الأمور كما هي … فهذا نبات، وهذا مقعد. أما أنا فلم تكن الأشياء واضحة أو محددة بالنسبة لي على هذا النحو. وأمي التي لا تزال على قيد الحياة كانت امرأة خصبة الخيال فكانت تشجعني. فبدلا من أن تنهرني بقولها «لا، لا، عليك أن تكون جادا» كانت تسعد بخيالي الخصب، ولما التفت إلى العالم الفنتازي ساعدتني وأمدتني بالكتب . قرأت إدجار آلن بو للمرة الأولى وأنا في التاسعة. سرقت الكتاب لأقرأه لأن أمي لم تكن تريد أن أقرأه، لظنها أنني كنت أصغر من اللازم وكان عندها حق. أفزعني الكتاب وأمرضني ثلاثة أشهر، لأنني صدقته … في صلابة الصخر على رأي الفرنسيين. بالنسبة لي كان الفنتازي طبيعيا تماما، لم تكن لدي فيه شكوك من أي نوع. هكذا كان الأمر. حينما كنت أعير تلك الكتب لأصدقائي كانوا يقولون «لا، نفضل أن نقرأ قصص رعاة البقر». كان رعاة البقر منتشرين للغاية في تلك الأيام. ولم أكن أفهم ذلك. كنت أفضل عالم ما وراء الطبيعة أو الفنتازيا.
• عندما ترجمت أعمال بو الكاملة قبل سنوات كثيرة، هل اكتشفت أشياء جديدة لنفسك من تلك القراءة المعمقة؟
ـ أشياء كثيرة، كثيرة. استكشفت لغته التي ينتقدها كل من الإنجليز والأمريكيين إذ يجدونها باروكية أكثر مما ينبغي. وبما أنني لست إنجليزيا أو أمريكيا، فإنني أراها من منظور آخر. أعرف أن فيها جوانب عتيقة، ومغالى فيها، ولكن هذا لا يمثل شيئا بالقياس إلى عبقريته. أن يكتب في ذلك الزمن «سقوط منزل عامل السينما» أو «ليجيا» أو «بيرنيس» أو «القط الأسود»، فإن أيا من هذه القصص تنم عن عبقرية حقيقية ومقدرة على كتابة الفنتازي أو ما وراء الطبيعي. بالأمس كنت في زيارة صديق يقيم في طريق إدجار آلن بو. هناك لافتة نصها «إدجار بو، كاتب إنجليزي» وهو ليس إنجليزيا على الإطلاق. لا بد من تغييرها. هذا أمر نعترض عليه نحن وهم.
• في كتابتك، علاوة على الفنتازي، دفء حقيقي ومحبة منك لشخصياتك.
ـ عندما تكون شخصياتي أطفالا أو مراهقين، أشعر بكثير من الحنان تجاهها. أشعر أنها حية للغاية في رواياتي وقصصي، وأعاملها بكثير من الحب. حينما أكتب قصة تكون فيها شخصية مراهق، أكون أثناء كتابتها مراهقا. ويختلف الأمر مع شخصيات الكبار.
• هل تستلهم كثيرا من شخصياتك من أشخاص عرفتهم؟
ـ لا أقول الكثير منها، بل القليل. وفي أحيان كثيرة تكون الشخصيات مزيجا من شخصين أو ثلاثة. فقد كوَّنت شخصية امرأة على سبيل المثال من امرأتين عرفتهما. ذلك يضفي على الشخصية في القصة أو الكتاب مزيدا من التعقيد، ومزيدا من الصعوبة.
• هل تعني أنك حينما تشعر بالحاجة إلى تعميق شخصية فإنك تمزج اثنتين؟
ـ الأمور لا تجري على هذا النحو. الشخصيات هي التي توجِّهني. بمعنى أنني أرى شخصية، في مكان، أتعرف فيها على شخص أعرفه، أو في الغالب اثنين ممتزجين ببعضهما قليلا، ثم ينتهي ذلك. وبعدها، تتصرف الشخصية من تلقاء نفسها. تقول أشياء … ولا أعرف مطلقا ما الذي ستقول إحدى الشخصيات حينما أكتب حوارا. فهي التي تقرر فعليّا. أنا، أنا فقط أسجل على الآلة الكاتبة ما تقوله هي. وفي بعض الأحيان أنفجر ضاحكا، أو أرمي الصفحة وأنا أقول «هيا، هيا، إنكم تقولون كلاما سخيفا. اخرجوا من هنا». وأضع صفحة أخرى وأبدأ الحوار من جديد.
• فليس الذين تعرفهم هم الذين يرغمونك على الكتابة؟
ـ لا، على الإطلاق. غالبا تخطر لي فكرة قصة، ولكن لا تكون هناك أي شخصيات. تخطر لي فكرة غريبة: شيء ما سوف يقع في منزل في الريف، أرى ذلك … وأكون ذا قدرة بصرية عالية وأنا أكتب …، أرى الأمر كله، أرى كل شيء. أرى إذن هذا البيت الريفي، ثم فجأة أبدأ في زرع الشخصيات. في هذه المرحلة قد تكون إحدى الشخصيات شخصا أعرفه. لكن الأمر لا يكون مؤكدا. ففي النهاية أغلب شخصياتي مبتكرة. وهناك بالطبع نفسي. في «لعبة الحجلة» إشارات سيرية كثيرة في شخصية أوليفيرا. ليست أنا، ولكن كثيرا منها مستلهم من أيامي البوهيمية الأولى في باريس. ولكن من يقرأون أوليفييرا بوصفه كورتاثار في باريس فهم مخطئون. لا، لا، كنت مختلفا كثيرا.
• هل هذا لأنك لا تريد لكتابتك أن تكون سيرية؟
ـ لا أحب السيرة الذاتية. ولن أكتب مذكراتي مطلقا. سير الآخرين تثير اهتمامي بالطبع، أما سيرتي أنا فلا. لو كتبت سيرتي لوجب عليَّ أن أكون صادقا أمينا. لا أستطيع أن أحكي سيرة خيالية. ولذلك، سيكون عملي عمل مؤرخ، مؤرخ لذاتي، وهذا يضجرني. لأنني أفضل الاختراع، والتخيل. وبالطبع كلما تخطر لي أفكار رواية أو قصة، إذا بمواقف ولحظات من حياتي تضع نفسها بصورة طبيعية في ذلك السياق. في قصتي «Deshoras» استهلمت فكرة غرام الصبي بأخت صديقه الكبرى من موقف سيري. ففيها إذن جزء صغير سيري، ولكن ابتداء من هذه النقطة، كل ما يسيطر على القصة فنتازي أو خيالي.
• كيف تبدأ قصصك؟ من أي مدخل معين، من صورة؟
ـ قد تبدأ القصص والروايات معي من أي مكان. شأن الكتابة نفسها، حينما أبدأ في الكتابة، تكون القصة قد بدأت معي منذ وقت طويل، منذ أسابيع في بعض الأحيان. ولكنها لا تكون واضحة على أي نحو، بل هي أقرب إلى فكرة عامة لقصة. ربما ذلك البيت الذي ينمو في أحد أركانه نبات أحمر، وأعلم أن في البيت رجلا هرما يروح فيه ويجيء. هذا كل ما في الأمر. ويحدث على هذا النحو. ولدينا الأحلام من بعد. خلال فترة الحمل هذه تمتلئ أحلامي بإشارات وتلميحات إلى ما سيجري في القصة. وقد تأتي القصة كاملة في حلم. من بواكير قصصي وأكثرها شيوعا قصة «المنزل المسلوب» وهي كابوس رأيته في نومي. فصحوت وكتبته من فوري. ولكن ما يأتي من الأحلام بصفة عامة لا يعدو الشذرات والإشارات. أعني أن عقلي الباطن يشارك في عملية العمل في قصة، فعندما أحلم، تنكتب القصة هناك. وعندما أقول إنني أبدأ من أي مكان فمعنى ذلك أنني لا أعرف من أين، لا أعرف في تلك المرحلة، أهذه هي البداية أم النهاية. عندما أبدأ الكتابة تكون تلك هي البداية. لا أقرر أن تكون نقطة معينة هي بداية القصة، لكنها ببساطة تبدأ منها ثم تستمر، وفي أكثر الأحيان لا تكون لديَّ فكرة واضحة عن النهاية ـ لا أعرف ما الذي سوف يحدث. يحدث تدريجيا، بينما تمضي القصة، أن تصبح الأمور أوضح، وفجأة أرى النهاية.
• إذن تكتشف القصة وأنت تكتبها؟
ـ هذا صحيح. أشبه بالارتجال في الجاز. أنت لا تسأل موسيقي الجاز «ما الذي سوف تعزفه؟» سيضحكه سؤالك. تكون لديه ثيمة، سلسلة من النغمات عليه أن يحترمها، ثم إنه يتناول الترومبيت أو الساكسفون ويبدأ. ويؤدي عبر سلسلة من الإيقاعات الداخلية المختلفة. في بعض الأحيان يأتي العزف جيدا، وفي بعضها لا يأتي كذلك. أشعر أحيانا بالحرج يمنعني أن أوقّع على قصصي. لكن ليس في حالة الروايات، لأنني أعمل على الروايات طويلا، ففيها معمار كامل. أما قصصي، فهي كما لو كانت تُملَى عليَّ من شيء ما بداخلي، بدون أن أكون أنا المسؤول. ومنذ أن تظهر تصبحي قصصي، ويكون لزاما عليّ في تصوري أن أقبلها.

يتبع
نشر الحوار في مجلة باريس رفيو، عدد 93 في خريف 1984، وهو رقم 83 في سلسلة « فن القصص».