خطوات ضرورية لتعزيز الكتلة الاقتصادية الخليجية!

عبد الله العليان –

بعد مرور سبعة وثلاثين عاما على قيام مجلس التعاون، وبقاء هذه الكتلة الخليجية كتلة موحدة، أمام الظروف والتحديات الكثيرة التي حدثت بالمنطقة، فإن التكامل الذي تنتظره الشعوب الخليجية، يحتاج إلى إزالة العديد من المعوقات التي أصبحت يسيرة أمام الروابط الكبيرة التي تجمع هذه الدول بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود ونصف، ولا شك أن هناك من الملفات التي تم إنجازها خلال العقود الماضية، وهناك مشاريع كبيرة وضخمة يجري التخطيط لها مثل مشروع السكك الحديدية، والربط الكهربائي والسوق الخليجية المشتركة، ولا شك أن دول المجلس قطعت أشواطًا كثيرةً في مجال توحيد السياسات التنموية كما أشارت الكثير من البيانات الصادرة عن المجلس في هذا الصدد، حيث تم إقرار العديد من الوثائق في هذا الجانب بما يعزز التكامل والتعاون بين هذه الدول، ومنها على سبيل المثال تلك المتعلقة بأهداف وسياسات وخطط التنمية المختلفة والسياسة الزراعية المشتركة، وكذلك الاستراتيجية الموحدة للتنمية الصناعية والإطار العام للاستراتيجية السكانية لدول مجلس التعاون، وحددت الخطط أنه في مجال ربط البنى الأساسية فإن دول المجلس تعمل حاليًا على إنجاز المرحلة الأولى من عملية الربط الكهربائي الذي يعتبر من الخطوات الكبيرة التي تم طرحها منذ سنوات فيما بينها واستكمال مسار الطريق البري المباشر بينها وإنجاز شبكة الاتصالات فيما يمتد التعاون على صعيد إقامة المشاريع المشتركة إلى إنشاء ودعم المشروعات البينية برؤوس أموال عامة وخاصة ومشتركة وذلك بتحقيق التكامل الاقتصادي والتشابك الإنتاجي وتشجيع القطاع الخاص على إقامة المشاريع البينية المشتركة بما يؤدي إلى ربط المصالح الاقتصادية للمواطنين في دول مجلس التعاون، والحقيقة أن هناك تحركا في إنجاز هذه المشاريع الحيوية بما يحقق الكتلة الاقتصادية الخليجية لكنها بطيئة، ومن المهم العمل الدؤوب والجاد لتذليل المعوقات التي تقف حائلا أمام تطبيق السوق الخليجية المشتركة بصورة نهائية؛ لأن الظروف والتحولات الاقتصادية الكبيرة في العالم تتطلع لمثل هذه التكتلات الكبيرة، وتشكل قوة اقتصادية موحدة، والإشكالية أن الكثير من القرارات والتوصيات التي وافق عليها المجلس لم تلق المتابعة الحثيثة في التنفيذ، حيث لا توجد جهة مختصة بمتابعة قرارات القمم لدول مجلس التعاون، وهذه من المعوقات التي تؤخر إنجاز الكثير من المشاريع الهامة، أو تتأخر عن التطبيق، وهذا ما نلاحظه في الكثير من البيانات الصادرة عن المجلس الأعلى لمجلس التعاون، وهذه تحتاج إلى مراجعة من الأمانة العامة للمجلس.. فعلى سيبل المثال هناك الاتفاقية الاقتصادية الموحدة التي تحتاج إلى تفعيل تمهيد لإقامة السوق الخليجية المشتركة دون تأخير، وقد أوضح الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية الدكتور عبدالطيف الزياني في أحد تصريحاته أن هيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية هدفها معالجة معوقات السوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي كافة، وكل ما يعترض مسيرة مجلس التعاون في المجال الاقتصادي والوصول إلى التعاون الاقتصادي والوحدة الاقتصادية بين دول المجلس في المستقبل، وهي إحدى التوصيات التي سوف ترفع إلى المجلس الأعلى لاعتمادها، مشيرًا إلى أن اللقاء التشاوري لقادة دول مجلس التعاون الخليجي نص على تشكيل هيئة الشؤون الاقتصادية والتنموية بدول مجلس التعاون، وكانت هذه مبادرة أولى في انطلاق الجلسات الأولى لهذه الهيئة التي تم فيها التوافق على التعجيل والمضي قدمًا بالاتفاقيات التي تم بحثها في السنوات الماضية، مبينًا أنه نوقشت موضوعات عدة متعلقة بالسوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي وتم التوافق على بعض التفاصيل المتعلقة بها.
ومن الحق أن تجربة مجلس التعاون تعتبر تجربة رائدة في التجمعات الإقليمية والدولية، فقيام المجلس لم يأت من فراغ بل هو استجابة طبيعية لمشاعر مشتركة وصلات قرب راسخة في وجدان أبناء دول المجلس، وبالتالي فإن هذا المجلس يعد ترجمة للكثير من المشاعر التي تجمع هذه الدول إلى واقع عملي يهدف لزيادة وتيرة التعاون والترابط، وتزيل المعوقات أمام هذا التجمع المهم في هذه المنطقة، ومواجهة متغيرات وتحديات الواقع الراهن بكل تحدياته الخطيرة، فمن خلال التجربة الممتدة عبر أكثر من ثلاثة عقود أفرزت اللقاءات والاجتماعات العديد من المفاهيم والرؤى والأفكار المطروحة في شتى مجالات التعاون والتنسيق والتكامل، والنظرة المشتركة تجاه القضايا والمشكلات السياسية في العالم، ولعل أهمها أن دول المجلس فيما بينها لديها قناعة واستجابة رحبة مع عدم التسرع عند تقاطع الآراء في قضايا معينة تهم المجلس تجاه بعض التصورات والقضايا المعلقة، فإذا ما ظهرت قضية اختلفت حولها الآراء وتباينت وجهات النظر حولها يتم تجميدها إلى فترة أخرى تطرح للنقاش والحوار؛ للوصول إلى قناعات مشتركة وإعطاء الفرصة الكافية للحكمة والوقت لبلورتها بصورة مقبولة ومحسوبة بما يدعم المصالح الأساسية ويعزز الروابط والمعطيات القائمة، وتيسير التفعيل الإيجابي لهذه التجربة واستمراريتها متجدد ويسير بخطوات ثابتة.
كما أن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يترسخ إلا في ظل الاعتماد على الذات وتطوير القدرات والإمكانيات الذاتية، وبناء المواطن المنتج لوطنه وأرضه، والمشاركة السياسية بين الحكومة والمواطن، وقد صاحب القمم الخليجية الماضية التي عقدت في كل دول المجلس الكثير من التقدم التكاملي، والدعوة إلى تنسيق المواقف السياسية والاقتصادية والأمنية لدول مجلس التعاون لمواجهة التحديات التي تواجه المنطقة، ولكن هذا يحتاج إلى تفعيل القرارات التكاملية الرائدة.
إنَّ التنويع الصناعي والتكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون هو وحده الذي يمهد للمستقبل، ويمنح هذه الدول القدرة الاقتصادية على تحقيق الكفاءة الذاتية، وقد آن الأوان لهذا التوجه أن يؤخذ في الحسبان ويتم التخطيط له بصورة علمية وعملية، وهذا ما نود أن يتم الإسراع به، فمجلس التعاون قد نجح في أن يبقى مؤسسة ثابتة، وتجاوز مرحلة الارتباك في تأسيس التعاون بين دوله، وأصبحت منظمة التعاون صلبة لها قاعدة من التماسك والقبول العام بأهمية قيامها وضرورة فاعليتها، وتبقى أهمية إزالة كافة المعوقات التي تحيل تنفيذ القرارات التي تم الاتفاق في القمم الماضية.