انطلاق مهرجان أثير الشعري.. وأدونيس يحضن «سنبلة الوقت ورأسه برج نار»

865424برعاية عمان الإعلامية –
برعاية السيد أسعد بن طارق وحضور ثقافي عماني وعربي –
يمني ومغربي وسوري يحصدون جوائز أثير الشعرية –

كتب ـ عاصم الشيدي –

عاد الشاعر العربي الكبير أدونيس أمس يستذكر الهم العربي وبيروت والقضية الفلسطينية وهو «يحضن سنبلة الوقت ورأسه برج نار» مشعلا ليل مسقط بالدفء في أولى ليالي شتائها القصير. وقرأ أدونيس قصيدته الشهيرة «الوقت» في أولى أمسيات مهرجان أثير للشعر العربي في دورته الثانية.
ورعى حفل افتتاح المهرجان صاحب السمو السيد أسعد بن طارق آل سعيد ممثل جلالة السلطان وبحضور نخب ثقافية عمانية وعربية حلت في ضيافة المهرجان الذي حملت دورته الحالية اسم الأديب العربي العماني «ابن دريد» الذي عرض فيلم وثائقي عنه أنتجته «أثير». وأقيم المهرجان الذي ترعاه «$» في مبنى المؤسسة بمدينة الإعلام. وأدونيس صاحب «الثابت والمتحول» أحد أبرز الأسماء التي أخذت على عاتقها حداثة القصيدة العربية، وهو اليوم أحد أبرز المفكرين أيضا في مجال حداثة المشهد العربي ويقدم قراءة فكرية إلى جوار حضوره الشعري في المشهد العربي الذي بدا في قصيدته أمس يقدم بين يديه بكائية رثاء لا تنتهي. ويثير أدونيس جدلا كبيرا ليس بدءا من أطروحاته الشعرية وليس انتهاء بآرائه الفكرية. وبقي موقف أدونيس ثابتا من القضية السورية التي قال عنها منذ البداية أنه لا يؤمن بثورات تخرج من المساجد. وتحولت الثورة السورية فعلا إلى ما يشبه حربا أهلية أنتجت مجموعات مسلحة أخطرها تنظيم «داعش» و«جبهة النصرة».
وقال موسى الفرعي رئيس تحرير أثير في كلمة مع بدء أعمال المهرجان «إن استمرارية مهرجان أثير بشكل سنوي توثيق لقيم الجمال العليا التي بها تصبح الحياة جديرة بأن تعاش، ونحن هنا على هذه الأرض نؤمن بالجمال مبدأ ونعيشه أسلوب حياة» وأضاف «مهرجان أثير هو طريقتنا في الدفاع عن هذه الجماليات التي يمثلها إرثنا العربيّ الكبير، والذي يحيل الأرض بساطا من أغنيات الحبّ في عصر لم تتمكن فيه خريطة الوطن الكبير الفكاك من دمويتها». وأضاف الفرعي: إن اختيار ابن دريد رمزا للمهرجان في هذا العام يعود لعدة أسباب من بينها أننا نقف على هذه الأرض ووراءنا امتداد يصل بنا حتى أبعد نقطة في التاريخ، وهذا الامتداد له تجلياته ومظاهره العديدة وأهمها الحضور الأدبي والذي استطاع ابن دريد أن يمرّ به تاركا نقشا لا يزول على جدرانه موقّعا باسمه، ومن هذه الأرض مرورا برموزنا العربية ستكون المواسم المقبلة، رغم إيماننا أن الشّعر والفنون لا تحدّ بالجغرافيا ولا تعترف بجوازات السفر، غير أن الجغرافيا الحديثة لها سلطتها». وأعلنت نتائج مسابقة أثير الشعرية وقرأت الشاعرة الكويتية المعروفة سعدية مفرح بيان لجنة التحكيم الذي جاء فيه: «إيمانا بالشعر والجمال، وانتصارا للوعي الخلاق في بناء الإنسان المعاصر، تقدم أثير في دورتها الثانية، باقة من أصوات الشعرية العربية الحديثة، وتحتفي بتجاربهم وأسمائهم».
وأضافت «وعلى مدار شهور من المتابعة وقراءة النصوص والرصد على مراحل الفرز والتقييم النهائي، كان لا بد من الانتماء لثقافة تؤمن بالقيم في عالم قلق، وتحاول أن تؤثث المشهد بالشكل الذي يمنح قدرة للتواصل مع العالم الحالم بالإنسان والخير والجمال.. وبعد المداولة، والنظر للرؤى المختلفة، توصلت لجنة تحكيم جائزة أثير للشعر العربي إلى التراتب التالي: أولا: المجموعة الموسومة بـ «شمعة في العدم»، للشاعر اليمني محمد المهدي. ثانيا: المجموعة الموسومة بـ»تركنا نوافذنا للطيور»، للشاعر المغربي محمد عريج. ثالثا: المجموعة الموسومة بـ «وإني قليل فكوني كثيري» للشاعر السوري ياسر الأطرش».
بعد ذلك قرأ الشاعر أدونيس قصيدته «الوقت»:
حاضنا سنبلة الوقت، ورأسي برج نار:
ما الدّم الضّارب في الرّمل، وما هذا الأفول؟
قل لنا، يا لهب الحاضر، ماذا سنقول؟
مزق التّاريخ في حنجرتي
وعلى وجهي إمارات الضّحيّة
ما أمرّ اللّغة الآن وما أضيق باب الأبجديّة.
حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار:
أصديق صار جلادا؟
أجار قال ما أبطأ هولاكو؟
من الطارق، أجاب؟أعطه الجزية.
أشكال رجال ونساء، صور تمشي أشرنا وتساررنا
خطانا خيط قتل
أترى قتلك من ربك آت؟
أم ترى ربك من قتلك آت؟
ضيعّته الأحجية فانحنى قوسا من الرعب على أيامه المنحنية
لي أخ ضاع أب جنّ وأطفالي ماتوا
من أرجّي؟
هل أضم الباب؟
هل أشكو إلى سجادة؟
داخ هات الحقّ وامنحه الشفاه من عطوس الفقهاء
جثث يقرأها القاتل كالطّرفة /‏‏ أهراء عظام،
رأس طفل هذه الكتلة،أم قطعة فحم؟
جسد هذا الذي أشهد أم هيكل طين؟
أنحني، أرتق عينين، وأرفو خاصرة
ربّما يسعفني الظنّ ويهديني ضياء الذّاكرة
غير أنّي عبثا أستقرئ الخيط النّحيل
عبثا أجمع رأسا وذراعين وساقين، لكي
أكتشف الشّخص القتيل
لمن النملة تعطي درسها؟
ولمَ الدهشة؟
شعر مزج هذا الشرر الفاجع بالعين
انخطاف أن ترى بيتك مرفوعا إلى الله شظايا
صرخت بومة عراف على مئذنة
نسجت من صوتها قوس قزح
وبكت مخنوقة حتى الفرح
وبدت القصيدة تحمل رمزية بكائية على الحال العربي، فلم تعد بيروت أو فلسطين وحدها من يبكى عليها اليوم بل تمزق العالم العربي ولم تعد هناك إلا نبوءة شاعر رأى المشهد منذ سنوات طويلة. يقول أدونيس:
حاضنا سنبلة الوقت ورأسي برج نار:
كشف البهلول عن أسراره
أنّ هذا الزّمن الثّائر دكّان حلّي،
أنّه مستنقع من أنبياء
كشف البهلول عن أسراره
سيكون الصدق موتا
ويكون الموت خبز الشّعراء
والذي سمّي أو صار الوطن
ليس إلاّ زمنا يطفو على وجه الزّمن.
كشف البهلول عن أسراره
أين مفتاحك يا أبهة الطوفان
لطفا أغرقيني وخذي آخر شطآني
خذيني سحرتني لجة لاهبة سحرتني قشة تحترق
سحرتني طرق تجفل منها الطرق
وسوف يقدم أدونيس صباح الثلاثاء بمبنى جريدة «عمان» شهادة حول تجربته الشعرية ضمن الندوات المصاحبة لمهرجان الشعر.
ويشارك في المهرجان الشعراء من السلطنة: سعيد الصقلاوي، ود.محمد عبدالكريم الشحّي، وعمر محروس، وأحمد الفارسي، الشيماء العلوية، ومن العراق الشاعر وجواد الحطّاب ومن المملكة العربية السعودية الشاعر عبدالله الصيخان، ومن تونس ود.محمد الغزّي ومن السودان محمد عبدالباري، ومن مصر إيهاب البشبيشي، وسيدي محمد ولد بمبا من موريتانيا، ومن الإمارات شيخة المطيري وميسون السويدان، ومن الكويت دلال البارود والشاعرة سعدية مفرح. ويشارك في الجلسات النقدية الصباحية التي تبدأ صباح غد الثلاثاء د.عائشة الدرمكيّة بورقة تحمل عنوان «شعريّة القصيدة المعاصرة في عمان»، ود.حسن مجاد بورقة تحمل عنوان «الإحساس بالأفول في مراثي ما بعد الكلاسيكيّة المحدثة العربيّة»، وبلال شرارة بورقة: «الشعر وتبادل السلطة الشعريّة»، وسعديّة مفرّح بورقة «جناية التهميش على الشعريّة العربيّة – فهد العسكر نموذجا».