معرض الوثائق بجزر القمر يلفت الأنظار.. والمؤتمر يثير نقاشات ساخنة

861306يختتم أعماله اليوم بتلاوة التوصيات –
طلاب المدارس يطرحون أسئلة التاريخ العماني.. والوثائق تتحدث –

موروني «جزر القمر» ـ عاصم الشيدي –

يتوافد قمريون وأفارقة من دول القرن الإفريقي بكثافة على المعرض الوثائقي المصاحب لمؤتمر «علاقات عُمان بدول القرن الإفريقي» من أجل قراءة الوثائق المعروضة علها تكشف جانبًا من جوانب معرفة الأحداث وسيرورة التاريخ. يقف باحثون بعمق وتأمل في القراءة الوثائق، كما يقف طلاب مدارس وجامعات أمام وثيقة يتحدثون حولها ويتهامسون، وكأنهم يكتشفون جانبًا من جوانب تاريخ جزرهم أو قرنهم الأفريقي.
ويضم المعرض المصاحب أكثر من 200 وثيقة إضافة إلى خرائط قديمة ومخطوطات عمانية. وازدحم المعرض في يومه الثاني بالزوار.

وعند المدخل الأول للمعرض تبدو صورة لجلالة السلطان -حفظه الله- مستقبلا الرئيس القمري سيد محمد جوهر وتعود الصورة لعام 1992، وصورة أخرى وجلالته يستقبل الدكتور أكليل ظنين عام 2013 إضافة إلى مجموعة من صور لقاءات مسؤولين قمريين مع نظرائهم في السلطنة.
يقف الجمهور أمام هذه الصور كثيرًا متأملين طبيعة العلاقة التي تجتر معها العلاقات التاريخية. فيسأل طالب أستاذه عن العلاقة التي تربط جزر القمر ودول القرن الإفريقي بعُمان، ويبدأ الأستاذ بالحديث عن تاريخية تلك العلاقة وتفاصيلها.
يتحرك الطالب نفسه من أمام تلك الصور إلى وثيقة تكشف عن رسالة موجهة من السلطان فيصل بن تركي، سلطان عمان، يبلغه فيها المرسل بوصول الهواتف والجرائد التي طلبها السلطان.. والرسالة تعود إلى عام 1904، يسأل الطالب أستاذه عن المستوى الحضاري الذي لهذه المدن في عهد الحكم العماني كما عرف أول مرة قبل قليل من أستاذه فيبدأ الأستاذ نفسه حديثا طويلاً أيضًا عن المستوى الحضاري الذي وصلت إليه هذه المدن في عهد الحكم العماني.
سيقف الطالب نفسه بعد قليل أمام وثائق تكشف له بنفسه هذه المرة مراحل قوة وضعف الدولة في شرق أفريقيا، فسيجد رسالة من السلطان العثماني معتذرًا عن ما بدر من واليه على بغداد مصطفى باشا تجاه القائد هلال ابن الإمام أحمد بن سعيد خلال حملته لفك الحصار عن البصرة.. وفيها الكثير من عبارات الاسترضاء وبعث الهدايا. لكن في رسالة أخرى سيبعث السلطان ماجد بن سعيد رسالة إلى القنصل البريطاني يستأذنه بالسفر.
وفي رسالة أخرى من وزراء السلطانة سميكو سلطانة جزيرة نصرلي التي بموجبها قامت السلطانة بالتنازل عن الجزيرة للسلطان سعيد بن سلطان وتسليمه جميع أملاكها فيها، وإظهار الولاء والتبعية له. والرسالة مؤرخة بتاريخ 30 أبريل 1838.
يكتشف الزائر الكثير من تفاصيل التاريخ، وهو يتجول في المعرض، حتى الباحثون العمانيون يقفون بتأمل أمام الوثائق التي تقدم لها في الغالب معلومات جديدة أو تربط بين معلومة يمتلكونها ولكن لا يكتمل فهمها إلا بقراءة الوثيقة.
في زاوية من زوايا المعرض يقرأ الزائر رسالة من القنصل الفرنسي موسيو أوطافي موجهة إلى السلطان فيصل بن تركي حول رغبته بتقديم هدية عبارة عن ساعة ذهب لابنه السيد تيمور بن فيصل عام 1898.
وفي رسالة أخرى نقرأ إعلان بين المملكة المتحدة وفرنسا حول احترام نفوذ سلاطين مسقط وزنجبار.. والإعلان وقع في باريس عام 1862.
سيخرج الطالب القمري والزائرون من دول القرن الأفريقي من المعرض بوعي غير ذلك الذي دخلوه قبل المعرض.. سيعيدون طرح الكثير من الأسئلة على معلميهم ومعلمي التاريخ بشكل عام.
ويختتم المعرض الذي تنظمه هيئة الوثائق والمحفوظات الوطنية بالتعاون مع وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الدولي بجمهورية القمر المتحدة أمام الزائرين في الوقت نفسه الذي تختتم فيه الندوة أعمالها وتصدر توصيات الندوة الدولية.
وتقدم اليوم ثماني أوراق عمل في اليوم الأخير من الندوة، وقدمت في الجلسة الأولى أمسسبع أوراق عمل ترأسها الدكتور جمعة بن خليفة البوسعيدي. وبدأت الجلسة بورقة «حدود مدينة برافا الناطقة بالسواحلية في جنوب الصومال: التفاوض بين الصومال وعوالم المحيط الهندي السواحلي» للدكتور عبدين شندي أستاذ مشارك في بالدراسات الإفريقية والإسلامية، بجامعة أديلفي، الولايات المتحدة الأمريكية. كما قدم الدكتور شمس الدين سيد علي، باحث دكتوراة بمعهد البحوث والدراسات العربية، بجامعة الدول العربية بالقاهرة، بعنوان «جسور العلاقات التاريخية بين عمان وجزر القمر». وكانت الورقة الثالثة بعنوان «الأثر الفرنسي في علاقة عمان بدول القرن الإفريقي خلال القرن التاسع عشر الميلادي جزيرة موريشيوس أنموذجاً» للباحث عبدالعزيز بن حميد المحذوري تناول فيها دور جزيرة موريشيوس في عملية التواصل بين الدولة العمانية ودول القرن الأفريقي خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وبالأخص أثناء فترة حكم السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي (1806-1856م) من خلال ثلاثة محاور.
أما الورقة الرابعة للدكتور عبدالقادر هاشم محامي في المحكمة العليا الكينية بعنوان «هلال القرن: مساهمة سلطان خليفة بن حارب تجاه تطور تقاليد الفكر الإسلامي في شرق أفريقيا والقرن الأفريقي (1911-1960)» تناول فيها سيرة السلطان خليفة بن حارب أطول سلاطين البوسعيديين حكما في سلطنة زنجبار. خلال فترة حكمه امتدت سيادة سلطنة زنجبار من منطقة باروا في الصومال إلى جزيرة مافيا جنوب زنجبار. وكانت زنجبار مركزا للتميز الأكاديمي الذي أوى كبار العلماء من ذوي الأصول الثقافية المختلطة والمساحات الجغرافية المتنوعة والتي امتدت من سلطنة عمان واليمن في الشمال إلى الصومال وجزر القمر في الجنوب. وسعى الباحث الدكتور في هذه الورقة إلى إثبات مساهمات السلطان خليفة بن حارب في تطوير تقاليد الفكر الإسلامي في الشرق والقرن الأفريقي وتركز على نخبة من كبار العلماء من أصل عماني وحضرمي وعلماء من زنجبار وجزر القمر الذين كانوا ثمار عهد السلطان خليفة بن حارب.
وعرجت الورقة الخامسة «للأصالة التاريخية بين جزر القمر وسلطنة عُمان» للبحث الشيخ محمد عثمان باحث ومسؤول بقسم الحضارة العربية والإسلامية بالمركز الوطني للتوثيق والبحوث العلمية بموروني مشيرًا إلى أن هجرات العمانيين المتواصلة إلى جزر القمر كان لها دوافع لهجرتهم دوافع عديدة منها دوافع اجتماعية وسياسية وتجارية أو لغرض المصاهرة، مما أدى إلى إحداث اندماج فريد مع المجتمع القمري، وقد تجلى ذلك في حياتهم الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية والتجارية التي تطرق عليها الباحث، ولأن التاجر العماني حمل إسلامه مع سلعته، فكان تاجرًا وداعيةً في آن واحد، وهذه الملامح العمانية ما زالت مآثرها شاهدة للعيان، وهذا ما تناوله الباحث.
وقدم الدكتور نور الدين محمد باشا، أستاذ مشارك بكلية الإمام الشافعي بجامعة جزر القمر، في الورقة السادسة «جزر القمر: المؤثرات العمانية في التأسيس والتنوير» سلط الضوء فيها على أهمية وعمق المؤثرات العمانية في تأسيس وتنوير جزر القمر، فإذا كان المكتشفون الأوائل للأرخبيل محل احتمال بين العرب ومجموعات بشرية أخرى، فإنّ الإجماع منعقد على (Comores) أسبقية العرب في إطلاق هذا الاسم الرائع على الأرخبيل: «جزر القمر»، ثم حرِّف إلى (كومور)، كما أطلقوا اسم «المُحلّى» أو «المَحِلّة»، واسم «جزيرة الموت» واسم «جزيرة الهناء»، على ما بات يعرف اليوم على التوالي: موهيلي أو موالي، و «مايوت أو مايوتة، وهنزوان أو أنجوان، تأثرًا بالنطق الفرنسيّ لها: Moheli) – Mayotte Anjoua)، أما فيما يتعلق بجزيرة «انغزيجا» فلم أقف على ما يدل على أنّ العرب سموها اسم آخر سوى جزيرة القمر الكبرى، والذي لا تزال تحتفظ به حتى اليوم. وكان نظام السلطنات والسلاطين أول نظام سياسيّ وإداريّ واجتماعيّ شهده الأرخبيلُ بطرازه المعماري العربيّ العمانيّ المميز، والذي يعود الفضل فيه إلى العمانيين والحضارمة، من النباهنة والمناذرة ومن الأشراف والبوسعيديين، الذين جعلوا من الأجناس المتفرقة شعبا واحدا في ظل الإسلام تحت راية السلطان. ومع كثرة الموجات البشرية، وتعدد حمولاتها الثقافية والاجتماعية التي حطّتْ رحلها في الأرخبيل، إلا أنّ الغلبة والسيادة كُتبتْ دوما للمؤثرات العربية العمانية، ترى ذلك رأيَ العينِ في ملامح الرجال والنساء، وفي الموروثات الشعبية في الأفراح والأزياء، وفي السلوك الحضاري للشعبين العماني والقمري، اللذين جُبِلا على العفو والصفح الجميل وعلى الجنوح للسلم أبدا، والانفتاح على الآخر كانفتاح الأرخبيل مبسوطا على صفحة الماء. لقد باتت العمامةُ البوسعيدية والخنجرُ المقوسُ، والثوبُ ذو الفتيلة المتدلية، والطاقيةُ المطرزةُ والحلوى المصنعةُ، ورقصات الزفافة والتار والصُوْر، مؤثراتٍ عربيةً عمانيةً راسخة في حياتنا، وجدنا عليها آباءنا وإنا على آثارهم مقتدون.

تنشيط الحركات العلمية

وناقشت الورقة السابعة «دور السلاطين وعلماء عمانيين في تنشيط الحركات العلمية في دول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي» للدكتور أبو ياسر مبورالي كامي محاضر بجامعة موئي ألدوريت بكينيا، حيث ناقش الدكتور علاقة عمان بدول شرق إفريقيا والقرن الإفريقي علاقة قديمة جدا، حيث كان لسلاطين عمان على امتداد التاريخ دور بارز في تنشيط الحركات العلمية وغيرها من الميادين خاصة الاقتصادية منها وصول العمانيين إلى ساحل شرق إفريقيا، ساهم كثيرًا في تطوير العلاقة العمانية مع دول القرن الأفريقي. ويهدف الدكتور من خلال بحثه إلى إلقاء الضوء على الدور الذي لعبه سلاطين عمان وعلماؤها في تنشيط الحركات العلمية في شرق أفريقيا، حيث يقوم الباحث بدراسة دور المؤسسات التعليمية التي أقامتها سلاطين عمان ودور علمائها في نمو حركات التعليم سواء كان في المساجد أو في المؤسسات وغيرها، كما قام الباحث أيضًا بذكر بعض العلماء البارزين الذين لديهم أصول من عمان وسيرتهم العطرة وإنتاجهم العلمي على مستوى شرق إفريقيا والقرن الأفريقي. وفي الجلسة الثانية التي ترأسها معالي الدكتور حامد كرهيلا، والتي ناقشت سبع أوراق عمل انطلقت بورقة الدكتورة بدرية بنت علي الشعيبية، مشرفة تربوية بوزارة التربية والتعليم، «المؤثرات الثقافية على المرأة القمرية ودورها الثقافي خلال القرنيين التاسع عشر والعشرين» هدفت فيها دراسة التأثير العربي عامة والعماني خاصة على وضع المرأة ومكانتها الاجتماعية والثقافية في جزر القمر، وتحليل العوامل المؤثرة على ثقافة المرأة ودورها الحضاري في جزر القمر، إلى جانب تقديم نماذج نسائية ساهمت في الحركة الثقافية، إضافة إلى دراسة أهمية إشراك المرأة في الدور الثقافي في جزر القمر.

التاريخ العماني

وعنونة الورقة الثانية «بالتأثيرات الاجتماعية العمانية على المرأة بدول القرن الأفريقي (الصومال ومدغشقر وجزر القمر أنموذجا)»، للباحثة سعاد بنت سعيد السيابية، محاضرة بقسم إدارة الوثائق والمحفوظات بكلية الشرق الأوسط، وفيه تأكد الباحثة أن العلاقات العمانية بدول القرن الأفريقي لعبت دورًا مهمًا في إرساء دعائم التاريخ العماني المختلفة في تلك المناطق، وقد كانت العلاقات بين الطرفين في الفترة الممتدة من (1214هـ/‏‏1800م ـ 1383هـ/‏‏1964م) غنية بالأحداث التاريخية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، حيث رصدت الجوانب الاجتماعية للوجود العماني في هذه المناطق، إلى جانب التأثيرات الناتجة من عملية الامتزاج الحضاري والتواصل العماني مع هذه المناطق.
وقال الأستاذ الدكتور محمد ذاكـر حسـن سـقاف أستاذ للتاريخ والحضارة، بكلية الإمام الشافعي بجامعة جزر القمر في الورقة الثالثة: «العمانيون في جزر القمر وأبعاد الأثر والتأثير» تناول فيها المراحل التاريخية المتعاقبة لاستقرار عرب عمان في جزر القمر بشكل خاص وعرب جنوب الجزيرة العربية بشكل عام وتسميتها بجزر القمر على لسان العرب، وتحدد الدراسة الإطار العام لبناء الآليات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للتواصل المستقبلي بهدف تعزيز التواصل بين هذين البلدين الشقيقين وتوريث هذه المكونات الاجتماعية والثقافية المشتركة للأجيال القادمة، بما تحمله من معانٍِ يتطلب العمل على حمايتها في ذاكرة الشعبين بالتفاعل في شتى مناحي الحياة لضمان بقائها.