الشيخ أحمد بن سعود السيابي لشرفات: العمانيون صنعوا شعراء ولم يصنعوا مؤرخين فضاع التاريخ العماني

857208 857209

عالم الدين يمجد من يراه على فكره وينفي الآخر.. ويكتبون التاريخ بمنهج عقدي –
عاصم الشيدي –

في الطريق إلى مكتب سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي أمين عام مكتب الإفتاء كان السؤال الذي يدور في ذهني من أين يمكن أن أبدأ مع هذا الرجل الذي تحضر تفاصيل التاريخ العماني في ذهنه بشكل دائم، وينشغل به على الدوام حديثًا ودراسةً وتحريًا وتدقيقًا.
لا يحتاج لأن يكون فاتحًا لأمهات كتب التاريخ العماني حتى يحدثك عن أدق التفاصيل وحتى يراجع معك التواريخ بشكل لا يكاد يقبل الشك. ولذلك لم يكن مطروحا أن يطلب المحاور التي يمكن أن يدور حولها الحوار التاريخي حتى يكون جاهزًا لأي سؤال.
يستخدم الشيخ السيابي منهج القرينة، ونقد الذات في مراجعته للتاريخ، ولا يكتفي بقراءة المراجع العمانية بل يقرأ مراجع الآخرين فيما كتبوا عن عمان، ويضع كل ذلك أمام منهج نقدي صارم ليصل إلى نقطة الحقيقة أو ما يقاربها.
منذ البداية كان واضحًا في طرحه أن الكثير من حلقات التاريخ العماني ضاعت. وهو يطرح سؤالاً جوهريًا هل «العمانيون بطبعهم لم يكونوا مهتمين بتدوين تاريخهم ويومياتهم سواء كان على مستوى الدولة أم الأفراد والعلماء؟.. وهل هذا راجع إلى تواضع الشخصية العمانية بمعنى أن الإنسان الذي لا يتحدث عن نفسه لا يرغب بالتحدث عن غيره؟».

ويقول السيابي: إن «الإنسان الذي لا يتحدث عن نفسه لا يعرفه غيره.. لا يمكن للآخر أن يعرف عنه شيئًا وبالتالي تضيع حلقة الحركة الحياتية للعلماء وللأئمة والمشهورين والقادة إلى غير ذلك.. ولذلك ضاعت منا حلقات كبيرة جدًا من حلقات التاريخ».
لكن سعادة أمين عام مكتب الإفتاء يرد الأمر أيضًا إلى سبب آخر وهو «أن الكثير من المصادر الإباضية قد أصابه التلف.. نحن نقدر ما لا يقل عن خمسين في المائة من التراث العماني أصابه التلف، كتب ومصادر نقرأ عنها ولكن لم نراها.. قد تكون تلك المصادر تحمل جانبا من التاريخ لأن الإنسان عندما يقرأ المطولات الفقهية العمانية يجد في ثناياها الكثير من أحداث التاريخ، ومن ذكر بعض العلماء وحياتهم، وهذا في حد ذاته تاريخ.. لكن مع هذا فعلا ضاع جانب كبير من التاريخ». ويتساءل الشيخ السيابي أين تاريخ الدولة النبهانية على سبيل المثال؟ أكثر من أربعة قرون لا بد أن يكون فيها حراك وفيها حروب وغزو خارجي .. لا بد أن يكون فيها بناء وتعمير؟ أين تفاصيل هذا التاريخ.. لو لم يحفظ لنا الستالي عن النباهنة المتقدمين أسماءهم لما عرفناهم.. والشاعر لا يؤرخ، الشاعر يذكر واقعة معينة أو معركة معينة، تهنئة لأمير أو لسلطان لكنه لا يطرحها باعتبارها تاريخ بل على سبيل الذكر والإطراء.
والشاعر الكيذاوي حفظ لنا أسماء سلاطين الدولة النبهانية المتأخرين كما يطلق عليهم. لولا هذان الشاعران ما كنّا حتى نعرف أسماءهم لكن المتتبع لهذين الديوانين يستطيع أن يقف على بعض المعارك وأسماء الملوك والسلاطين ولكن هذا ليس كل شيء.
ولا يُخلي الشيخ أحمد السيابي الدولة النبهانية من المسؤولية ويقول: إنهم «لم يصنعوا المؤرخين بل صنعوا الشعراء، يحبون الشعر ويستحسنونه، ولكنهم لم يحبوا المؤرخين، وهذا جانب من جوانب ضياع التاريخ».
ولسعادة الشيخ أحمد السيابي إضافة إلى عشرات البحوث والدراسات كتاب «الوسيط في التاريخ» ولديه مشروع لكتابة «الشامل في التاريخ» وحول الإضافة التي يمكن أن يقدمها الكتاب إلى جوار ما كتب حول التاريخ العماني يقول السيابي: «الإضافة التي يجب أن نضيفها في الحقيقة لهذا التاريخ تتمثل في البحث عن المعلومة من مصادر غير عمانية، معلومات قد تكون المراجع العمانية لم تطلع عليها.. على سبيل المثال فإن المراجع الغربية كتبت عن عُمان خاصة منذ مرحلة اليعاربة، وإلى اليوم لأنهم كتبوا بشكل كبير عن الصراع العماني البرتغالي، هذا الصراع المجيد العظيم والكبير الذي استطاع به العمانيون أن يخرجوا البرتغاليين من السواحل العمانية ومنطقة الخليج العربي وسواحل أفريقيا وغرب الهند، واليوم نستجر شذرات من كتابات الغربيين أنفسهم وفق التقارير وبعض الباحثين المعاصرين اطلعوا على هذا وترجموا بعضا من تلك التقارير والكتب.
ويضيف الشيخ السيابي: «الإضافة التي يمكن أن نتحدث عنها اليوم هي تحليل المعلومة واستعمال القرينة لنرى صحة المعلومة من عدم صحتها، وأنا أستعمل نقد الذات فيما يتصل بالتراث العماني سواء من الناحية الفكرية أو التاريخية. القرينة تؤكد لنا صحة المعلومة من عدمها، وإذا كانت صحيحة لماذا هي صحيحة لماذا حدث الحدث وكيف حدث؟.. والتحليل يقودك إلى شيء من فهم القضية والحدث التاريخي، ويمكن للإنسان أن يؤطره من ناحية فكرية». وأضاف السيابي: نحن نتكلم اليوم في عُمان عن فكر التاريخ ونعرض التاريخ كفكر مرتبط بأمور فكرية.
أما الإضافة الأخرى التي يتحدث عنها السيابي فيما يكتبه في التاريخ تتمثل في الاطلاع على مصادر التاريخ العربي، ويذكر على سبيل المثال كتاب «الكامل في التاريخ» لابن الأثير يعتبر مرجعًا مهمًا وابن الأثير أفضل المؤرخين من غير العمانيين الذين كتبوا عن عمان.. صحيح أن بعض الأسماء فاتته وبعض الأحداث وبعض الأماكن وأنه لا يكون دقيقا في وصف بعض الأماكن والأشخاص، وفي ترتيب الأحداث التاريخية لكن يبقى الكامل لابن الأثير يحمل قدرًا من المعلومات المهمة عن عمان.
أما عهد اليعاربة ودول البوسعيد فيعتبر هذا عصرا حديثا والمعلومات حول هذه الفترة الزمنية موجودة وكتابات الغربيين متوفرة عنه بكثرة.
وحول تاريخ الوجود العماني في شرق أفريقيا فإن السيابي يعتبر أن العمانيين أهملوا تاريخه أيضا. الوجود العماني في شرق أفريقيا قديم جدا، كان منذ ما قبل الإسلام، وبعد الإسلام نذكر هجرة سعيد وسليمان ابني الجلندى بعد حرب الحجاج لهما، والوجود العماني على عهد اليعاربة لا أحد يذكر هذا التاريخ.

ونقول جزى الله خيرا الشيخ سعيد بن علي المغيري صاحب كتاب جهينة الأخبار في تاريخ زنجبار لأنه قام بجولة ساحلية وسجل ذلك التاريخ في كتابه، ولولاه لضاع الكثير من أخبار الوجود العماني في تلك المنطقة من العالم، رغم ذلك فإن الكتاب لم يحط بكل الوجود العماني وامتداده التاريخي.. مشيرا الى أن الوجود العماني في زنجبار كان على الدوام مصحوبا بحراك اقتصادي وحضاري كبير، رغم ذلك أين تجده في كتابات العمانيين عدا المغيري؟!
ويقول السيابي: الإضافة تأتي من هنا ونحن نجتهد بقدر الإمكان ونقتبس المعلومة من هنا وهناك من مصادر غير عمانية وأحيانا حتى المصادر اليمنية مهمة مثل كتاب عبدالله بن علي باوزير في كتابه تاريخ اليمن، فهو كتاب يمكن الاستفادة منه في بعض التفاصيل، ومنه عرفنا أن الإمام سلطان بن سيف الأول اليعربي أخذ ظفار مرتين من الدولة الكثيرية، وكانت بينه وبين حاكم اليمن مراسلات لطيفة من جانب سلطان بن سيف وحادة من جانب الحاكم اليمني حتى أن باوزير رغم تعصبه للحاكم اليمني إلا أنه أثنى على خطاب الإمام سلطان بن سيف وقال: «فيه من رئاسة الألفاظ ومن سمو الكلمة» ومدح خطاب الإمام اليعربي كثيرا ولم يعجبه خطاب الحاكم اليمني واستغرب كيف أن حاكما كحاكم اليمن لا يجد كاتبا يكتب له خطابه.
وحول أن كتب الفقه تعتبر أحد المراجع التاريخية المساعدة يقول سعادة أمين عام مكتب الإفتاء: كتب الفقه مصادر مساعدة لأن فيها قضايا وأحداث تاريخية وفيها حراك أشخاص وفيها جانب حضاري ومعرفة بتفاصيل المجتمع العماني من خلال حراكه الاقتصادي والأمور الاجتماعية ولهذا اعتبرها مصادر مساعدة.
وحول الفتوى يقول الشيخ السيابي لو قسمنا القرون علميا في عمان سنجد إنه في بداية القرون الإسلامية الأولى كان الفقه أزكويا، حيث معظم علماء عمان من إزكي وأكثر الأحداث تذكر في أزكي.. بعد ذلك انتقل الفقه إلى نزوى وبقي هناك من حوالي القرن الثالث الهجري إلى القرن السابع الهجري، ثم انتقل بعدها إلى منح وصار بيد علماء منح أمثال الشيخ صالح بن وضاح المنحي، وأبناء الشيخ نجاد.. بعد ذلك في القرن العاشر والحادي عشر تجد الفقه بهلويا، وعندما تقرأ كتاب منهاج العرب تجد القضايا تدور هناك في بهلا، تجده يقول حكمنا لهذا، وأمرنا لهذا بفتح نافذة وهكذا.. كان هناك حراك اجتماعي واقتصادي وحضاري إلى غير ذلك. في عهد الدولة اليعربية عاد الفقه إلى نزوى والرستاق وفي الدولة البوسعيدية توزع بين مسقط وبقية مدن عمان.. فدائما الحراك العلمي هكذا ينتقل من مكان إلى آخر، وحينما ينتقل ينتقل معه النصيب الأكبر من الأحداث لأن الأحداث تدور بجانب ذلك العالم ويؤلف فيها والباحث يتتبع دائما هذه الأشياء.
وحول أسباب اختفاء تاريخ دولة النباهنة يقول سعادة الشيخ السيابي: كان سابقا الوضع العلمي إما أن يكون الشخص عالما أو يكون جاهلا.. لم يوجد حينها المثقفون الذين نراهم اليوم ولم يكن العلم متوزعا على موضوعاته، كان الشخص إما ان يكون عالم دين في المجتمع أو يكون جاهلا تماما.. إذن من الذي كتب التاريخ؟ كتبه علماء الدين، الدول في عمان لم تقنع المؤرخين، وعالم الدين لا شك أنه يمجد من يراه على فكره ويحكم على الآخر بحكم النقيض، لأنه يكتب التاريخ على منهجه وعلى ما يوافق فكره.. هناك منهجان في كتابة التاريخ منهج عقدي ومنهج تاريخي وهو يكتبه بمنهج عقدي.. سيقول فلان نصره الله وفلان هزمه الله ولا يقول هذا انتصر لكذا وهذا انهزم لكذا… التاريخ كتبه علماء الدين ما عدا ابن رزيق فلم يكن عالم دين ولكن مع ذلك الوضع يقتضي أن يكون من ضمن الوسط الديني لأنه لا يستطيع الابتعاد عنهم، ولذلك تجده محاطا بالعلماء ورجال الدين.
وغير ذلك فكل من كتب التاريخ كان من علماء الدين: صاحب كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة الشيخ سرحان الأزكوي كان عالم دين، وإذا أتيت لابن عريق كان عالم دين، وإذا أتيت للشيخ السالمي هو إمام العلماء، حتى من كان يؤرخ للأحداث في كتاباتهم تجدهم أيضا من القضاة وعلماء الدين.. ولذلك التاريخ العماني كتبه علماء الدين.. وكانوا يعتبرون الكتابة عما يخالف أفكارهم إظهارا للجور.. ودولة النباهنة قُيّمت على هذا الأساس.
ويضيف الشيخ السيابي: النباهنة أولا لم يصطنعوا مؤرخين، والثاني أن علماء الدين نظروا إليهم باعتبارهم أهل جور وبغي وظلم وهم الذين كتبوا التاريخ، ولا شك أن النباهنة على مرّ أكثر من أربعة قرون كان فيهم من يذهب للحج كما يذكر الشاعر الستالي، وكان بينهم من كان مجلسه عامرا بالعلماء، ومنهم من طبق العدل مثل الشيخ فلاح بن محسن، وليس كل النباهنة أهل جور وبغي. ولم يكتف بتجاهلهم وإنما ألصقت بهم قصص لو حللتها واقعيا لا يمكن أن تكون، كما هو الحال في قصة السلطان سليمان بن سليمان، وهو من أقوى سلاطين النباهنة ورجل على شيء من العلم وشاعريته تدل على قوته اللغوية وديوانه يعتبر من الجزالة بما كان، وفي ذلك الوقت لم يكن العلم باللغة منفصلا عن العلم الديني.. فالذي يكون متشبعا بعلوم اللغة لا بد أن يكون داخلا في العلم الشرعي. وقصة هذا السلطان مع المرأة التي كانت تغتسل في فلج الغنتق وخرجت من الفلج وجرى خلفها لا يمكن أن تقبل أبدا.. ليس لأن هذا الفعل بهيمي فقط ولا يقبل من سلطان ولا من رجل في علم سليمان بن سليمان ولكن لبعد المسافة بين عقر نزوى وبين الفلج ومعروف في عمان أن النساء يخرجن للفلج مجتمعات ولا يخرجن فرادى، كما أن رجلا في مكانة السلطان سليمان بن سليمان لا يخرج وحده، فالوالي يخرج وسط عسكره وحرسه فكيف بسلطان مثله.
ويضيف الشيخ السيابي إن القصة غير صحيحة ويبدو أن بعض خصومه أطلقوها واستصاغها الناس بغير تحليل.. والتحليل مهم فبعد أن كان التاريخ يقوم على ذكر الحدث صار اليوم لماذا حدث الحدث مع ذكر القرائن.
وحول هذه المرحلة يقول الشيخ السيابي: وأنا اقرأ في كتب المغاربة وجدت رسالة وجهها علماء عمان إلى الفقيه رئيس العزابة في جربة ورئيس علمائها الشيخ الفقيه يونس بن تعاريت، وأميرها الشيخ أبي زكريا يحيى بن سعيد بن أبي نوح السمومني. وكان قد زار في عهد السلطان سليمان بن سليمان النبهاني عالم جربي اسمه عيسى بن أبي بكر بن محمد وهو إباضي من أهل جربة في حدود بداية القرن العاشر الهجري ووصل إلى السلطان فقربه وأسكنه وأكرمه، وأخبر السلطان عن انتصار أهل جزيرة جربة على الغزاة الذين غزوا الجزيرة، وعند عودته زوده علماء عمان برسالة جاء فيها «ونعلمكم أنه وصل الحاج المبارك عيسى بن أبي بكر إلى سلطان عمان، وهو السلطان الأعظم، والعلامة الأكرم، أبي علي سليمان بن سليمان دام عزه، وذل عدوه، إذ هو الإباضي المستقيم ولولاه لاندرس المذهب «…» إذ هو عالم في أصول الدين لتعلموا ذلك». وكما ترى فإن هذه الرسالة تغاير تماما ما قيل عنه وتقطع كل ما يقال عن ذلك الشخص .. صحيح يمكن أن تكون حياته فيها شيء موجود وقد قال أبياتا يذكر فيها ندماءه ويتذاكر فيها دعبل ولكن ربما حياته ممزوجة ولكن لا تصل إلى الحد الذي تكون فيه بهيمية، وهو ربما كأي حاكم يمزج بين الجد واللهو والهزل.. لكن لا تصل حد الجنون.
وحول ما إذا كانت الدول المجاورة قد تورد في مراجعها بعضا لتفاصيل تاريخ الدولة النبهانية يقول سعادة أحمد السيابي: أعتقد لا بد أن يكون لدى الفرس وهذا يحتاج إلى بحث خاصة أن حوالي أربع غزوات من الفرس وصلت عمان في عهد دولة النباهنة. أما بقية الدول المجاورة فكانت كلها عُمان في تلك المرحلة وحدود عمان في تلك المرحلة كانت من جزيرة سقطرى وحتى اليمامة، وفي بعض الأوقات كانت إلى الأحساء أو العذيب.
وحول ما إذا كانت عمان قد عزلت نفسها تاريخيا أم عزلها الآخرون يقول السيابي: من وجهة نظري إن عمان عزلت نفسها بمقدار 50 بالمائة ولكن الآخر عزلها بمقدار 100 بالمائة أو 90 بالمائة. أما لماذا عُمان عزلت نفسها فلأنها لم تقدم ما عندها للآخر، رغم ذلك فإن العمانيين اطلعوا جيدا على ما عند الآخرين، وتواصلوا بشكل كبير ولم يظهر كتاب إلا واطلعوا عليه. كتاب الإشراف للنيسابوري وهو شافعي يكاد لم يصدر له كتاب إلا ووصل للشيخ الكدمي ومعروف أن الكدمي علق على كتاب الإشراف وعرف «بزيادات الإشراف» طبع عن مكتب وزير الأوقاف والشؤون الدينية. والعوتبي اطلع على كتب الأنساب لابن حزم وغيره.. كانوا يطلعون على ما لدى الآخر من نتاج فكري ولكنهم لم يقدموا نفسهم للآخر.. أما الآخرون فقد عزلوا عمان لأنهم لم يأتوا إليها.. يذكرون الأحداث من الشام إلى اليمن ويترجمون لأعلام من الشام إلى اليمن ويتركون عمان ولا يأتون إليها لأسباب أغلبها مذهبي.. وينفي السيابي أن تكون الأسباب جغرافية فالذي يصل الأحساء لا يعجز عن الوصول إلى عُمان.. ومن يصل عدن لا يعجز عن عمان.. والعمانيون يلاموا لأنهم لم يقدموا ما عندهم للآخر وفضلوا الانزواء.
وحول التواريخ التي صححها الشيخ السيابي في التاريخ العماني بعد وضعها موضع البحث والتدقيق يقول: كان المؤرخون يعتبرون ان الإمام حفص بن راشد هو ابن راشد بن سعيد وأنه في القرن الخامس الهجري.. لكني وجدت ان الإمام حفص بن راشد حارب المطهر بن عبدالله الذي جاء من قبل البويهيين بعد أن استولوا على السلطة في الدولة وكان ذلك في حدود مثلا 364 هجرية.. وعندما تتبع المطهر بن عبدالله تجده فعلا في بداية ستينات القرن الرابع الهجري وليس الخامس الهجري.. وقاتله حفص بن راشد. أما راشد بن سعيد فكان في القرن الخامس لأنه كان متواصلا مع الإمام أبي اسحاق الحضرمي صاحب «السيف النقاد» ولذلك قلنا أنه لا يمكن أن يكون ابنه. كان المؤرخون يعتبرون أن حفص هو ابن الإمام راشد بن سعيد بينما اتضح أن فترة الإمام راشد بن سعيد قبل فترة الإمام حفص بن راشد.. واتضح لاحقا أنه «أي حفض بن راشد» يكون عم والد الإمام راشد بن سعيد وبينهم قرن من الزمان. وكذلك فيما يتعلق بالخليل بن شاذان الذي اعتبره المؤرخون ابن الإمام الصلت بن مالك الخروصي. ويؤكد السيابي أن وفاة الإمام الخليل بن شاذان في حدود 295 هجرية ووفاة الإمام الصلت بن مالك في حدود 460 أو 465 هجرية ويتضح أن بينهم حوالي قرن ونصف القرن.
ويقول السيابي: كذلك حدث تصحيف في التاريخ العماني على سبيل المثال قصة الوثن «ناجر» والصحيح إنه «باجر» وابن دريد ألف كتابا مهما أسماه «الاشتقاق» أي اشتقاق الأسماء في اللغة، يذكر فيها كل اسم لماذا سمي بكذا.. وأرجع الأسماء إلى أصولها وهو عماني وكان كثير المجيء إلى عُمان ويعرف قبائل عمان وأماكنها وأماكن وجودها وقريب عهد بتلك الفترة فقد كان في القرن الثالث الهجري فضبط أسماء كثيرة عندما نقرأها في كتب تاريخنا نجدها شيء، وعندما نقرأها عند ابن دريد في كتاب الاشتقاق نجدها شيء آخر لأنه ضبطها من حيث اللغة.
وحول حركة كتابة التاريخ العماني اليوم وكيف يراها الشيخ السيابي يقول: الآن الحمد لله ظهر جيل من الشباب يهتمون بالتاريخ.. وأنا دائما أستمع لإذاعة سلطنة عمان ولديهم برنامج من التاريخ العماني يتحدث فيه شباب منهم دكاترة ومنهم حملة ماجستير وأساتذة في الجامعة وفي الكليات وهذا شيء جيد ويفرح القلب عندما نرى هذا الجيل من الشباب يهتمون بكتابة التاريخ وضبطه ومراجعته بشكل علمي.
وحول قراءته يقول قراءتي متعددة فإضافة إلى قراءات التاريخ والفقه اقرأ الصحف اليومية المحلية وكذلك صحيفة الخليج وصحيفتي الحياة والشرق الأوسط واقرأ المجلات الأدبية، كما اقرأ الدواوين الشعرية مثل شعر المتنبي والستالي وأبي مسلم وشوقي وحافظ إبراهيم وغيرهم. وحول ما إذا كان يقرأ قصيدة النثر الحديثة يقول ليس كثيرا ولكن ما يقع تحت يدي مما ينشر منها في الصحف والمجلات فاقرأه ونادرا ما أتتبع بعض دواوينها.
ويضيف السيابي: تأتيني العديد من الدعوات لمؤتمرات وندوات عربية وهذه الدعوات تتطلب كتابة ورقة عمل وكتابة هذه البحوث تحتاج إلى قراءات واسعة.
وحول المؤلفات القادمة يقول السيابي لدي العديد من المشاريع أتمنى ان أكملها وأعمل الآن على كتاب بعنوان «المدخل إلى المذهب الإباضي» وكتاب «المدارس الفكرية في عمان»، وأتمنى أن أستطيع كتابة كتاب «دستور الفقه الإسلامي».